عراقيون يشاهدون مباريات كأس العالم

انتهت مباريات كأس العالم، وربما كانت الأكثر متعة وإثارة وترقباً؛ بسبب قوة التنافس بين الفرق المحترفة والفرق الصاعدة التي تريد أن تكسر احتكارية الفوز بالكأس بين دول أوروبا وأميركا اللاتينية، ولعل الفريق المغربي خير دليل على ذلك. وربما لا نجانب الصواب إذا كانت بعض مقارباتنا السياسية تنطلق من رياضة كرة القدم، لا سيما أن أحد مناهج دراسة العلاقات الدولية هو (منهج المباراة) الذي يقارب العلاقة بين بلدين كما تجري في مباراة بين فريقين متنافسين على الفوز.  

لكني أحاول أن أقرأ المقاربة بين اللاعبين المحترفين في كرة قدم، وتحديداً في مونديال قطر 2022، وبين لاعبي السياسة في العراق. وهنا لا يمكنني أن أنكر هوسي كعراقي بمقارنة كل حدث عالمي بما يجري من أحداث سياسية في بلدي. فأول تساؤل ورد في مخيلتي، لماذا يشعر بالهزيمة والإنكسار قائدُ أو مدربُ الفريق الكروي عندما يفشل في تحقيق الفوز، ويعتقد الكثيرون أن لاعبين محترفين سيكون مونديال قطر بالنسبة إليهم هو آخر مشاركة لهم في كأس العالم مع منتخباتهم، ولعل ذلك هو السبب الرئيس في عدم سيطرتهم على مشاعرهم بعد نهاية المباراة بخسارة فريقهم، وبكائهم ونحيبهم على تلك الخسارة.  

إذا أجرينا  جولة في موقع اليوتيوب وقمنا بكتابة اعترافات السياسيين بالفشل والخراب والفساد، نجد الكثير من التصريحات التي تعترف بذلك، نوري المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون، عندما كان نائب رئيس الجمهورية (2014-2018) يقول: "أنا أعتقد بأن هذه الطبقة السياسية، وأنا منهم، ينبغي أن لا يكون لها دورٌ في رسم خريطة العملية السياسية في العراق، لأنهم فشلوا فشلاً ذريعاً.." وهادي العامري رئيس كتلة الفتح في مؤتمر انتخابي 2018 اعترف بالتقصير والعجز بقوله: "إننا قصّرنا بحق شعبنا وعجزنا أن نقدّم له الخدمات المطلوبة والحياة الكريمة... التهينا بالصراعات الداخلية وتركنا شعبنا يتلوع من الجوع والفقر، ولذلك لا بد أن نعترف بذلك، وأنا أول من أعترف بذلك، وأعتذر للشعب عن كل قصور وتقصير.." أما محمود المشهداني رئيس البرلمان العراقي الأسبق(2006-2009) فيصف الطبقة السياسية التي كانت في المعارضة واستلمت الحكم بعد 2003 بأنهم "مقاولو تفليش".  

ورغم هذه الاعترافات، تبقى الزعامات السياسية تقاتل في سبيل البقاء بالسلطة! وتبرير ذلك بغياب ركنين أساسيين في العملية السياسية: الأول غياب تام للمحاسبة والمساءلة عن الفساد والخراب والفشل الذي تقرّ وتعترف به قيادات الأحزاب صراحة بمسؤوليتهم ومشاركتهم في وجود كل مظاهر الفوضى التي خلفتها إدارتها للحكم. والثاني غياب المسؤولية السياسية والأخلاقية التي يفترض أن تكون حاضرة بعد مرحلة الاعتراف بالفشل، إذ ماذا يعني اعترافهم بالفشل والتقصير من دون أن يترتب موقف سياسي وأخلاقي عن ذلك الاعتراف! 

لاعبو السياسة في العراق يرفضون الاحتكام إلى القوانين والأعراف التي تنظم العلاقة بين السلطة والمجتمع، إذ رغم خيباتهم وفشلهم يصرون على أنهم يمثلون المكون الطائفي أو القومي! ويعتقدون أن "شرعية" عملهم السياسية لا ترتبط بكيف ينظر إليهم المواطن، إنما ترتبط بنضالهم ومناصبهم و"جهادهم" في معارضة الدكتاتورية. ومن ثم تولّدت لديهم قناعة بأن تصديهم السياسي هو "تكليف شرعي" كما يصرّ على ذلك الإسلاميون، أو رمزيتهم العائلية والدينية هي التي تعطيهم الحق في أن يتعالوا على المحاسبة والمساءلة حتى وإن استولوا على المال العام وتعاملوا مع اقتصاد الدولة بمنطق الغنيمة! 

وحتى على مستوى أحزابهم، يبقى الزعيم أو القائد في سدة رئاسة الحزب، من دون أن يُساءل عن انجازاته في قيادة الحزب ومسؤوليته عن الاخفاقات التي ترافق مسيرته في الانتخابات أو العمل السياسي. ومن مفارقات العمل السياسي في العراق أنّ من يفشل في قيادة الحكومة يتحوّل إلى قائد أو زعيم سياسي! وربما ينشقّ من الحزب الذي رشحه ويشكل تحالفًا سياسيًا يدخل الانتخابات بقيادته! ويريد أن يعود إلى منصب رئيس الحكومة!  

هكذا هي لعبة السياسة في العراق، سياسة من دون التزامات أخلاقية ولا سياسية، مجرد ثرثرة عجائز وجملة من التناقضات في التصريحات. على عكس كرة القدم التي أهمّ ما يميزها أن المدرب واللاعبين يتحملون المسؤولية كاملةً أمام الجمهور، وتحكمها قواعد الإبداع والمهارة واستحقاقات مرحلية تتعلق بعمر اللاعب، ودور الأجيال الصاعدة.  

في كرة القدم، لا نشوة تضاهي نشوة الانتصار وتحقيق الفوز لكل أفراد الفريق، ولا مرارة أكثر من مرارة الهزيمة وخسارة المنافسة. وسرّ انتصار الفريق يكمن في اختياره أعضاءه على أسس الكفاءة والموهبة والقدرات والمؤهلات. لكن في قاموس السياسيين العراقيين كل هزيمة أو خسارة لها تبريراتها ضمن نظرية المؤامرة! ولا يريدون الاعتراف أن فريقًا من الأصدقاء/ الأعداء تشكل على أساس المحاصصة والمكوناتية، وهدفهم تقاسم السلطة وموارد الدولة. ولا علاقة له بمفهوم المصلحة العامة، لا يمكن أن يحقق منجزًا يستحق أن يفتخر به، ولا يمكن أن يقنع الأمة أنه يمثلها ويعمل على خدمتها.  

فريق كرة القدم الذي يحمل كأس العالم يخلّده تاريخ بلاده بوصفه رمزاً للأمة، قبل أن يُسجل اسمه في تاريخ لعبة كرة القدم. أما في السياسة فمن يحقق منجزاً سياسياً واقتصادياً ونهضة لبلاده يحتفي به أبناء أمته. ولو أردنا محاكمة سياسينا على وفق معيار تحقيق المنجزات، فإنّ أكبر منجز لهم هو بقاء العراق ضمن صدارة قائمة الدولة الفاشلة والأكثر فساداً. ورغم ذلك يبقون جاثمين على صدور العراقيين ويرفضون الاعتزال السياسي، حتى وإن حوّلوا البلادَ إلى كتلة من الخراب والدمار. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.