صور تظهر القادة الدينيين البهائيين الذين اعتقلوا في إيران - شاطئ كوباكبانا في ريو دي جانيرو

الحكم الذي أصدرته السلطات الإيرانية على "وجيهتي" المجتمع البهائي الإيراني، مهفاش ثابت وفاربيا كمال، بالسجن لمدة عشر سنوات، وحسب نفس التهم التي وجهت لهما خلال العام 2008، وقضيا في السجن عقوبة مماثلة وقتئذ، يشكل تعبيرا وكشفا لواحدة من الثوابت الجوهرية لمنظومة الحكم وبنية العلاقة بين المجتمع والسلطة الإيرانية. فاضطهاد السلطة الحاكمة للبهائيين في البلاد، طوال ثلاثة إمبراطوريات إيرانية متتالية، القاجارية والبهلوية والخمينية، لأكثر من قرنين كاملين، مرفقا بصمت تام من قِبل المجتمع الإيراني، على الأقل، وبتشجع منه لتلك السلطة، على الأكثر، أنما يحول ذلك الأمر إلى ثابت دائم في معادلة الحياة العامة في الكيان الإيراني. 

الاستثنائي الفاقع في حالة أبناء الديانة البهائية في إيران، كامن في نوعية الاضطهاد نفسه، فهو ليس من ذلك النوع التقليدي الذي تسعى فيه السلطة قمع المجتمع ومحق إرادته. بل على العكس تماماً، هو قمع قائم على التوافق والتواطؤ المتبادل، بين السلطة وحيز واسع من هذا المجتمع. فطبقة المحافظين الإيرانيين تحديداً، وأثناء مختلف مراحل الأزمات السياسية العاصفة في البلاد، كما هي حالة السلطة الحاكمة لإيران راهناً، كان يتم استرضاؤها عبر إذلال وسحق طبقة مستضعفة ما، لإعادة لحّم وشائج التضامن بين السلطة الحاكمة وتلك الطبقة المحافظة. لفداحة حظ البهائيين الإيرانيين، شغلوا منذ قرابة القرنين مكانة تلك الجماعة المستضعفة، التي شكلت كعدو وظيفي مشترك، بين السلطة وتلك الطبقة المحافظة. 

السردية البهائية في إيران، وطوال القرنين الأخيرين، كانت صفحات متتالية من ذلك.

فمنذ عهد رئيس وزراء الدولة القاجارية "الحاج ميرزا آقاسي" في أوائل القرن التاسع عشر، وحتى حملة الدولة الخمينية الثيوقراطية الأخيرة، مروراً بالسنوات المريرة في ظلال الشاهين البهلويين، حدث ذلك بكثافة وتدفق لم يعرف الانقطاع. بقي السجن والقتل والنبذ وحجز الممتلكات والطرد من الوظائف أنماط من السلوكيات شبه اليومية التي تطارد البهائيين طوال هذه السنوات المديدة، وعبر مساكتة متوافق عليها، بين السلطة والقطاع الأوسع من المجتمع. 

بقول أكثر دقة ومباشرة، كان ذلك الاضطهاد الثنائي للبهائيين بمثابة "جوائز ترضية" تتبادلها السلطة مع تلك القطاعات المجتمعية: فالسلطة تسترضي بعضاً من المطالب والنوازع الإيديولوجية والغرائزية العمومية للمجتمع. وهذا الأخير يستكين إلى تلك الأفعال، يعتبرها جزء وإثباتاً لـ"نوازع الخير والصلاح" داخل بنية السلطة. بدلالة أن الكيان الإيراني شهد طوال قرنين كاملين مضيا مختلف أنماط الاعتراض والرفض والخروج على السلطة الحاكمة، خلا شجب واستنكار اضطهاد البهائيين. 

يحدث ذلك، بالرغم من الطبائع والسلوكيات والتعاليم الخاصة التي يمتاز بها أبناء هذه الديانة. فهم أولاً أناس يرفضون الانخراط في أي تنظيم وفاعلية سياسية، حتى بصفتهم المواطنية. إذ لم يسبق أن ثُبت عليهم أي فعل سياسي، مدني أو عسكري أو تنظيمي، يتعلق بمزاحة أية سلطة حاكمة أو التقليل من شرعية حكمها أو الاعتراض على تنفيذ أحكامها. الأمر نفسه يتعلق بسلوكياتهم كأبناء لديانة تسعى جاهدة لتنمية الصفاء الروحي والوحدة الآدمية ورفع السوية الأخلاقية بين البشر، عبر أوسع مروحة من الاعتراف والتعاون بين أبناء مختلف الأديان والأمم. 

هذه التفاصيل التي أكدت تفصيلاً كيف أن اضطهاد البهائيين لا ينبع من أي جذر سياسي مباشر، يتعلق بتخوف السلطة من فاعلية أو تأثير البهائيين على توازنات الحياة السياسية في البلاد، بل مما هو أعمق من ذلك بكثير.

من ديناميكية "الدين المركزي" بالنسبة للسطلة والحيز الأوسع من المجتمع على حد سواء. تلك المركزية التي تحول الدين من كونه مجموعة من العقائد والروحانيات والطقوس، إلى هوية عصبوية، أقرب ما تكون لذلك النمط من عقائد وإيديولوجيات "روابط الدم المقدس"، التي بين أبناء القبائل القديمة، التي تملك قابلية وجاهزية دائمة لمحاربة الآخرين، وفقط لخلق مناخ من الحماية الأبدية للذات من الفناء، أو حتى أي اختراق. 

لا يتعلق الأمر بالبهائية والبهائيين فقط، وإن كانوا المثال الأكثر فقاعة ووضوحاً، لتاريخهم المرير في المسار التاريخي للدولة والمجتمع الإيرانيين. بل يمتد ليطال سلسلة كاملة من التشكيلات الدينية والعقائدية من غير أبناء الديانات الإبراهيمية الرئيسية. فأبناء الديانة اليارسانية/الكاكائية/"أهل الحق" مثال آخر على ذلك القمع المديد، القائم على جذر التواطؤ السلطوي المجتمعي المشترك. ولم يكن الهجوم الذي شنته قوات الأمن الإيرانية على احتفاليتهم الإحيائية بمناسبة ذكرى وفاة زعيمهم "خليل علي نجاد" في مدينة كرمنشاه قبل عدة أسابيع إلا دلالة على ذلك. الأمر نفسه ينطبق على الزردشتيين وغيرهم من أبناء هذه الديانات. 

يتجاوز الأمر إيران نفسها، ليكون ثابتاً شبه مطلق من تاريخ منطقتنا، بمختلف دولها ومجتمعاتها. حيث تقوم كل دولة منها على جماعة/دينية/مركزية بذاتها، تعمل السلطة الحاكمة فيها بشكل مستدام على إرضاء "غرائز" تلك الجماعة، عبر سلوكيات من مثل اضطهاد الجماعات الدينية والعقائدية القابلة لأن تشغل مكانة "العدو الوظيفي المشترك" بين الطرفين. 

يحدث ذلك، لأن حرية الضمير والحق اختيار الدين والعقيدة في منقطتنا هي مجرد تعبيرات مجازية في نصوص دساتير بلداننا، أشبه ما تكون بزركشة كلامية لخلق أناقة كلامية شاعرية ما لتلك الدساتير، ترضي غرورنا الداخلي فحسب. ففي المحصلة، لا طبقات ولا بنى اجتماعية تؤمن ويمكن أن تدافع عن تلك الأشكال من الحرية، للذات وللآخرين، وأولا لا إرادة سياسية/سلطوية في ذلك المنحى.