عام 2022 كان مفصليا في العديد من القضايا السياسية الكبرى
عام 2022 كان مفصليا في العديد من القضايا السياسية الكبرى

تميزت سنة 2022 بعدد من التطورات والمفاجآت ما يجعلها تستحق أن تسمى بسنة مفصلية بامتياز. على الصعيد الداخلي، ألحقت التطورات السياسية والقضائية نكسة نوعية بالرئيس السابق دونالد ترامب وما يمثله حين رفض الناخبون الأميركيون معظم المرشحين الذين اختارهم أو تبناهم في الانتخابات النصفية، وبعد أن تراكمت التحديات القضائية ضده وجعلته محاصرا ومعزولا وعرضة للانتقادات من قبل أقطاب الحزب الجمهوري الذين حملوه مسؤولية إخفاق الحزب في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ والأكثرية الضئيلة التي حققوها في مجلس النواب. ومن المتوقع أن توصي لجنة التحقيق باقتحام مبنى الكابيتول في يناير –كانون الثاني 2021 في مجلس النواب وزارة العدل بمقاضاة ترامب بعدد من التهم من بينها التحريض على العصيان ومحاولة تعطيل الدستور. كما يتوقع العديد من المحللين أن تقوم وزارة العدل لاحقا بتوجيه تهم مختلفة لترامب تتراوح بين حيازة وثائق رسمية وتضليل القضاء بشأنها، وبالتآمر لاقتحام مبنى الكابيتول.

على الصعيد الخارجي شهدت سنة 2022 نهاية النظام السياسي الذي ساد في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وذلك عندما اخترقت الدبابات الروسية حدود أوكرانيا في فبراير –شباط الماضي لتبدأ أول غزو شامل تقوم به دولة أوروبية ضد دولة مجاورة منذ الحروب والاجتياحات التي بدأتها ألمانيا النازية قبل أكثر من ثمانين سنة. الغزو الروسي لأوكرانيا وضع الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في جبهة واحدة مع أوكرانيا، والانتصارات الميدانية التي حققتها القوات الأوكرانية ضد القوات الغازية خلال العشر أشهر الأخيرة لم تكن ممكنة لولا الأسلحة الأميركية والأوروبية التي وفرها الناتو لأوكرانيا.

ما يجعل التوتر الحالي في العلاقات الأميركية- الروسية خطيرا هو أنه يأتي في وقت يجد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه ونظامه تحت حصار اقتصادي وسياسي غربي شامل لم يختبره أي زعيم في موسكو منذ الثورة البولشفية في 1917، ولأن هذا التوتر يتزامن مع توتر أميركي- صيني اقتصادي وسياسي واستراتيجي لم تشهده هذه العلاقات منذ الاحتجاجات الدموية في  ميدان تيانامين (ميدان السلام السماوي)   في 1989. ويبدو أن سنة 2022 شهدت نهاية ما كان يعرف بسياسة المشاركة الاستراتيجية Strategic engagement   بين الولايات المتحدة والصين.

في الشرق الأوسط، تعتبر الحركة الاحتجاجية العارمة التي عمّت  مئات المدن والبلدات الإيرانية منذ سبتمبر –أيلول الماضي أهم وأخطر تحد يواجهه النظام الإيراني منذ الثورة الإسلامية التي جلبته إلى السلطة في 1979. القمع الدموي الذي لجأ إليه النظام الإيراني ضد المتظاهرين المسالمين، بدلا من أن يخنق توق الإيرانيين إلى الحرية، أدى إلى تأجيج المزيد من الحراك الشعبي الذي شمل جميع الطبقات الاجتماعية، والفئات الاثنية المختلفة في البلاد والتي شكلت جوقة شعبية تردد دون خوف شعار: "المرأة، الحياة، الحرية".

ما يمكن أن نقوله بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا، وتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين، والانتفاضة الشعبية الإيرانية، هو أن هذه الأحداث التي وقعت في 2022 سوف تبقى معنا في 2023 ولسنوات أكثر، وهذا ما يجعل 2022 سنة مفصلية.

 في السنة الماضية دخلت العلاقات الأميركية- الصينية مرحلة التنافس الكبير بين أكبر اقتصادين في العالم، (بعد اتخاذ واشنطن لإجراءات حرمت الصين من الحصول على تقنيات متطورة) على خلفية توتر استراتيجي بسبب الإجراءات العسكرية العدوانية التي اتخذتها الصين ضد تايوان، في أعقاب زيارة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي لتايوان في الصيف الماضي، وما تعتبره إدارة الرئيس بايدن "عسكرة" الصين لبحر جنوب الصين South China Sea ودعم الصين للغزو الروسي لأوكرانيا. وثيقة "استراتيجية الأمن القومي" التي أصدرتها إدارة بايدن في أكتوبر- تشرين الأول الماضي أوضحت الخطر الصيني بشكل واضح "تنوي الصين، التي تكتسب القدرات المتزايدة للتأثير على النظام الدولي إلى تغييره بطريقة  تخدم مصالحها..."  في هذه المنافسة الكبيرة، التي أكدت واشنطن أنها تعتزم الفوز فيها.  

قرار الرئيس بوتين غزو أوكرانيا أنهى حقبة تاريخية، أعطت القارة الأوروبية أطول فترة سلام لم تشهدها منذ قرون، ودشّن بداية مرحلة جديدة لا نعلم الكثير عن طبيعتها، وإن كان من الواضح أنها فترة ستفرض غيوما داكنة على القارة الأوروبية في المستقبل المنظور على الأقل، مع ما يحمله ذلك من توترات إضافية قد تشمل التلويح باستخدام الأسلحة النووية.

الغزو الروسي لم يكن مفاجئا، المسؤولون الأميركيون من الرئيس بايدن إلى وزير الخارجية أنتوني بلينكن توقعوه وحذروا من مضاعفاته، الرئيس بايدن أوفد مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) بيل بيرنز إلى موسكو ليؤكد لبوتين شخصيا أن واشنطن ستقف إلى جانب أوكرانيا في حال قرر غزوها. ما كان مفاجئا، حتى للاستخبارات الأميركية والغربية هو سوء الحسابات والأخطاء الروسية السياسية، إضافة إلى الأداء الكارثي للقوات الروسية التي تكبدت خسائر بشرية ومادية مذهلة. فلاديمير بوتين، الذي يقول حتى المقربين منه إنه يتصرف وكأنه قيصر روسي، اتخذ قرار الغزو بنفسه ودون استشارة أقطاب حكومته، بعد أن أقنع نفسه بأن قواته الجبارة سوف تحقق أهدافها الاستراتيجية، بما في ذلك احتلال العاصمة الأوكرانية كييف خلال بضعة أيام. بوتين توقع انهيار الدفاعات الأوكرانية بسرعة وبروز حكومة موالية لموسكو في كييف تضع أوكرانيا مرة أخرى في الفلك الروسي، ما يجعله يثأر لانهيار الاتحاد السوفياتي، ويحقق لنفسه مكانة متفوقة بين القادة البارزين لروسيا عبر القرون.

وبدلا من أن يضمن بوتين بقاء أوكرانيا خارج حلف الناتو، ساهم غزوه الكارثي في توسيع الحلف بعد انضمام فنلندا والسويد، كما أدى الغزو إلى إحياء وتعزيز حلف الناتو والاتحاد الأوروبي والتنسيق بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة لدعم أوكرانيا عسكريا واقتصاديا، ولتنسيق التعاون الاقتصادي بين أوروبا والولايات المتحدة لمساعدة الدول الأوروبية على حماية اقتصاداتها من الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية. 

وتواجه روسيا حاليا أقسى عقوبات اقتصادية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، سوف تبقى آثارها ومضاعفاتها على حياة الروسيين لسنوات وربما عقود مقبلة. الجيش الروسي أثبت أنه جيش قوي فقط على الورق. أداء القوات الروسية في أوكرانيا أظهر أن روسيا تملك قوات مسلحة ليست قطعا في مستوى القوات الأميركية او قوات دول مثل فرنسا وبريطانيا. القوات الروسية كانت تفتقر إلى المعلومات الاستخباراتية الموثوقة، وكانت مجهزة بخرائط قديمة لأوكرانيا كما أن القوات الغازية لم تكن مجهزة بالعتاد الحديث أو مزودة بالإمدادات الضرورية من الوقود إلى الأغذية، وكانت تفتقر إلى القدرات اللوجستية. وكانت نوعية المعدات الروسية سيئة الصنع لأسباب عديدة أبرزها الفساد، (إطارات الشاحنات الروسية على سبيل كانت ذات نوعية رديئة لأن المقاولين اختلسوا الميزانيات المخصصة للعتاد الحربي). نوعية التدريب كانت متدنية، ومجندون تم تزويدهم برشاشات من طراز كلاشينكوف صنعت قبل أكثر من 40 سنة، وبعضهم زودوا بخوذات صنعت خلال الحرب العالمية الثانية.

الحرب التي كان يفترض أن تنتهي خلال أيام، لا تزال مستمرة في شهرها العاشر. عسكريا، يمكن القول إن روسيا قد خسرت الحرب، حيث لا نشهد الآن مواجهات ميدانية بين جيشين نظاميين، بل حرب تشنها روسيا من خلال إطلاق الصواريخ والمسيرات، والمئات منها من صنع إيراني – في دليل آخر أن روسيا ليست تلك القوة العسكرية الضخمة التي اعتقدها الكثيرون قبل الغزو – على المراكز المدنية ولتدمير البنية التحتية وخاصة محطات توليد الطاقة الكهربائية لفرض شتاء قاتل على الأوكرانيين.

في إيران، النظام الإسلامي الذي وصل إلى الحكم في ثورة شعبية، مهدد اليوم بانتفاضة شعبية يمكن أن تخلق الظروف الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تؤدي إلى سقوطه بشكل مماثل. مقتل الشابة الإيرانية –الكردية مهسا أميني بعد أن اعتقلتها عناصر تابعة لما يسمى "الشرطة الأخلاقية" بتهمة ارتداء للحجاب بشكل غير لائق كان الشرارة التي أولعت إيران. 

هذه الشرارة كشفت عمق الغضب الشعبي الإيراني من ممارسات نظام استبدادي لا حدود لقدرته أو استعداده لاستخدام العنف والقمع الوحشي للبقاء في السلطة. هذه الانتفاضة التي تقودها شابات إيران ونساؤها، والتي انضم إليها في الأسابيع الماضية طلاب الجامعات، ووصلت إلى القطاعات الصناعية المختلفة لا تزال انتفاضة لا يحركها قائد أو مجموعة من القادة، بل يحركها ناشطون ايرانيون من رجال ونساء ينتمون إلى مختلف الطبقات الاجتماعية. استمرار الانتفاضة سوف يؤدي إلى فرز قيادات جديدة.

وللتدليل على وحشية النظام الحاكم في طهران، لم تكتف العناصر الأمنية بقتل أكثر من 450 متظاهر، واعتقال عشرات الآلاف، بل وصل القمع الآن إلى مرحلة إعدام المتظاهرين بعد محاكمات صورية، واغتصاب متظاهرات بعد اعتقالهن وتعذيبهن. وهناك حالات عديدة موثقة حول هذه الممارسات الهمجية من قبل نظام يدعي أنه يريد فرض الحجاب على المرأة الإيرانية بحجة حماية عفتها وطهارتها. 

المختصون بالشأن الايراني يراقبون الضغوط التي يتعرض لها النظام وأجهزته المختلفة والأعمدة الأمنية والاقتصادية التي يستند عليها، وما إذا كانت هذه الأعمدة سوف تهتز أو تبدأ بالانهيار بسبب استمرار الانتفاضة الشعبية، وخاصة إذا بقيت مستعرة في أوساط العمال. في 1979، عندما وصلت الاحتجاجات والإضرابات إلى عمال النفط، كان ذلك مؤشرا ببداية النهاية للنظام الملكي. 

حتى الآن، التعاطف الأميركي الرسمي وحتى الشعبي مع المتظاهرين الإيرانيين غير كاف. الناشطون الأميركيون -الإيرانيون يحضون الرئيس بايدن على وضع الانتفاضة الإيرانية على سلم أولوياته الخارجية، ويخصص لها خطابا رئاسيا يؤكد فيه دعم الولايات المتحدة السياسي والمعنوي والمادي لمطالب المتظاهرين الإيرانيين، بشكل مماثل لما فعله الرئيس جون ف.كينيدي في برلين، أو خطاب الرئيس رونالد ريغان، حين طالب الزعيم السوفياتي غورباتشوف بتحطيم جدار برلين.

الأشهر الأولى في السنة المقبلة سوف توضح أكثر أبعاد الحرب في أوكرانيا، ومضاعفات التنافس الأميركي-الصيني، والى أين ستصل الانتفاضة الإيرانية. وإذا انتهت الحرب في أوكرانيا بإحباط خطط روسيا، سوف يكون لذلك مضاعفات تاريخية بالفعل على مستقبل أوكرانيا وروسيا ومجمل القارة الأوروبية وعلاقات واشنطن بموسكو.  وإذا تحولت الحرب في أوكرانيا إلى ما يسمى بالنزاع المجمد (مثل النزاع في كشمير، وقبرص على سبيل المثال) سوف يكون لذلك آثار سلبية وربما كارثية على أوكرانيا وعلى علاقات الولايات المتحدة وحلف الناتو وروسيا.

وفي حال استمرار الانتفاضة الإيرانية وحدوث شروخ بنيوية في النظام الإيراني، تؤدي إلى وضعه على طريق بداية النهاية، سوف يكون لذلك مضاعفات جذرية ليس فقط على الشعب الإيراني، بل على شعوب الدول المجاورة. طبعا من السابق لأوانه الحديث عن نهاية النظام الإسلامي في إيران، ولكن الحديث عن هذا الموضوع لم يعد موجود فقط في سياق التمنيات والافتراضات. ولكن مما لا شك فيه أن أي تغيير سياسي حقيقي في إيران، سوف تشعر بتردداته جميع الشعوب التي تعيش في تلك المنطقة الجغرافية الممتدة من آسيا الوسطى، وعبر القوقاز والخليج وصولا إلى شرق المتوسط.      

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.