إندونيسيات يؤدين صلاة العيد
نساء إندونيسيات يؤدين الصلاة

بعد تزايد نفوذ الإسلاميين أقر البرلمان الإندونيسي في السادس من الشهر الجاري قانونا "يجرّم" الجنس خارج الزواج على الإندونيسيين والأجانب بحيث يُعاقَب عليه بالسجن لمدة قد تصل حتى عام، وضمن نفس حزمة القوانين التي تم إقرارها يُعاقب بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات أي شخص يهاجم كرامة الرئيس أو نائب الرئيس، وبالسجن لمدة تصل إلى ست سنوات من ينشر أخبارا كاذبة، بما يوحي بأن الإسلاميين قد عقدوا صفقة مع الطبقة السياسية تتضمن تقليص هامش الديمقراطية وحرية التعبير سياسيا مقابل دفع المجتمع نحو مزيد من التزمّت اجتماعيا. 

وكانت محاولات سابقة لتمرير قانون تجريم الجنس خارج الزواج قد فشلت عام 2019 نتيجة قيام احتجاجات شعبية واسعة ضده ترافقت مع اشتباكات بين الشرطة والطلاب الذين اعتبروه اعتداء على الحرية الشخصية وإهانة للديمقراطية، وقبل ذلك في عام 2015 أقرّت مقاطعات إندونيسية يحكمها إسلاميون قانونا يُلزم أي رجل وفتاة تجاوز عمرهما 17 عاما بالزواج إذا ضُبطا بمفردهما بعد التاسعة مساءً. 

ووصفت منظمة هيومن رايتس ووتش قرار تجريم الجنس خارج الزواج الذي أُقر مؤخرا بأنه كارثة لحقوق الإنسان وأنه يضع أسُسا لشرطة الأخلاق، لأن الدستور الإندونيسي يُقر بالحرية الدينية ولأن شعار إندونيسيا الوطني هو "الوحدة من خلال التنوّع" ولكنّ الإسلاميين يعملون على فرض رؤيتهم المتزمّتة على كامل المجتمع ويتجاهلون المسيحيين الذين يشكّلون عشرة في المئة من السكان والهندوس والبوذيين الذين يشكلون خمسة في المئة، كما يتجاهلون المسلمين الذين يؤمنون بفصل الدين عن الدولة والذين يدافعون عن الدستور العلماني الذي لم ينص في أي من مواده على أن الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع. 

وبما أن العلم والطب متّفقان على أن للحب وممارسة الجنس فوائد صحية ونفسية مؤكدة، فإن القوانين التي تسير عليها المجتمعات الحديثة تقول أنه بإمكان أي شخصين راشدين تجاوزا سن الثامنة عشرة مُمارسة الجنس بالتراضي كما يشاؤون، ويبدو أن شعوب جنوب شرق آسيا بما فيها من مسلمين في إندونيسيا وماليزيا وغيرها من الدول يعيشون حياة جنسية طبيعية لا تختلف كثيرا عن بقية العالم ولذلك يعمل المتشددون الآن على تغيير ذلك. 

ولكن مهمتهم لن تكون سهلة لأن هذه الدول اعتادت تاريخيا على الحرية والانفتاح، ومن المرجح أن المجتمعات المحلية ستحاول الالتفاف على قوانين الإسلاميين عندما يحين وقت تطبيقها لأنها لا تتماشى مع الطبيعة البشرية التي تشمل الإسلاميين أنفسهم مثل غيرهم كما تؤكد سلسلة من الفضائح تضمنت إقامة إسلاميين إندونيسيين علاقات جنسية وتقديم أموال لفتيات قاصرات، وفي أحد هذه الحالات تم إيقاف مستشار زعيم إسلامي بعد ضبطه مُتلبسا في غرفة فندق مع تلميذة مدرسة عارية، وتبين من التحقيقات أنه قد أنفق مئات آلاف الدولارات على 45 امرأة بينهن عارضة في مجلة إباحية. 

وهناك قصة الدعاوى التي رُفعت في المحاكم الأوروبية ضد الداعية وحفيد مؤسّس تنظيم الإخوان المسلمين من قبل عدة نساء بينهن واحدة وُصفت بأنها "ضعيفة تحتاج إلى حماية" اتهمنه فيها بالاغتصاب والاعتداء الجنسي عليهن مستغلا صفته الدينية بينما ادعى هو أن هذه العلاقات الجنسية كانت بالتراضي وأن ما يحدث هو محاولة انتقام من عشيقاته السابقات!، ومن الأمثلة الحديثة قصة الداعية الإسلامي المصري الشهير على مواقع التواصل والذي قالت إمرأة تعرّف عليها عبر الإنترنت إنه دعاها إلى شقة استأجرها وطلب منها ممارسة الجنس وبرر ذلك بأنه بالإمكان إبرام عقد زواج شفهي بينهما وعندما سألته عن الشهود قام بالاتصال بأشخاص عبر التلفون وقدّمهم كشهود على هذا الزواج "الشفهي" ثم مارس معها الجنس سطحيا حسب أقوالها والقضية الآن تحت نظر المحاكم المصرية. 

ومن الأمثلة السابقة يتّضح أن الإسلاميين أنفسهم يلتفّون على ما يعتبرونه "الأحكام الشرعية" بهدف ممارسة الجنس، ومن المؤكد أن هذا ما سيفعله الكثير من الإندونيسيين الذين سيكتبون على قطعة من الورق عقود زواج تسمّى زواجا عرفيا عند السنّة وزواج مُتعة عند الشيعة ليتمّ إبرازها أمام الشرطة حين اللزوم، وهذا سيجعل رجال الدين أول المستفيدين من هذا القانون، كما تدل التجارب السابقة على أن مثل هذه القوانين لا تطبق في دول العالم الثالث البائسة إلا على الفقراء، بينما عندما تتكشف قصة علاقة جنسية خارج الزواج لسياسي أو ضابط أو رجل أعمال في أغلب الدول الإسلامية فإن التحقيقات تنتهي إلى زعم وجود عقد زواج "شرعي" بين الطرفين. 

كما أنه من المتوقع أن مصير هذا القانون لن يختلف عن مصير القوانين السابقة التي اعتبرت الدعارة "جريمة ضد الآداب والأخلاق" والتي توّجت عام 2016 بإزالة أكبر أحياء البغاء في جاكرتا بالجرّافات، ولم يكن من آثار هذا المنع سوى أن الدعارة أصبحت مصدر دخل لعناصر الشرطة من خلال الرشاوي التي يتلقونها لكي يتجاهلوا ما يرونه، كما تحوّلت ممارسة هذه المهنة من أحياء وشقق معروفة ومُراقبة حكوميا وصحيا إلى شبكة الإنترنت كطريقة التواصل الرئيسية بين بائعات الهوى والزبائن، بحيث أنه لم يعد بالإمكان فرض أي رقابة على العاملين بالجنس إن كان من ناحية استغلال الأطفال أو من ناحية الرقابة على الأمراض المنتقلة بالجنس وخاصة الإيدز. 

وكذلك لم يعد بالإمكان معرفة الأعداد الحقيقية للمشتغلين بالجنس ولكن المتوقّع أن الأعداد لم تنخفض بعد هذه الإجراءات، فقد قدّر برنامج الأمم المتحدة المعني بفيروس الإيدز عدد العاهرات في إندونيسيا بحدود ربع مليون إمراة، وقالت منظمة العمل الدولية أن سبعين في المئة منهن تم جلبهن إلى هذه المهنة من قبل أهلهن وأصدقائهن، وحتى يكتمل نفاق الإسلاميين فقد برز خلال العقود الأخيرة نوع دعارة آخر أطلقوا عليه إسم "الجنس الحلال" يمارسُه سيّاح من الشرق الأوسط مع بائعات هوى إندونيسيات وتتم فيه ممارسة الجنس بعد عقد "زواج" شكلي يستمر أحيانا لبضعة أيام وقد وصفته إحدى النساء بأنه مجرّد مسرحية لإشباع الرغبات الجنسية. 

وإذا أرادت الحكومة الإندونيسية أو غيرها من حكومات الدول الإسلامية مكافحة السبب الرئيسي للاتجار بالجنس فعليها أولا مكافحة الفقر الذي تقول التقارير إنه يكاد يصل في إندونيسيا إلى نصف السكان، ولكن التشدد الديني الذي يُروج له الإسلاميون يُفقد البلد مناخ الاستثمار للشركات الأجنبية كما أنه يهدد قطاع السياحة، ولذلك قال رئيس اتحاد وكالات السفر في إندونيسيا إن قانون تجريم الجنس سيؤثّر سلباً على السياحة خاصة في جزيرة بالي التي تستقبل مليون سائح سنويا من أستراليا وحدها كما سيؤدي إلى فقد عشرات آلاف الوظائف، وكان من أسباب تميّز جزيرة بالي كمقصد سياحي عالمي بالإضافة الى طبيعتها الساحرة هو أن سكانها من الهندوس. 

لأنه من المُلاحظ عدم وجود حركة سياحية نشطة نحو الدول الإسلامية المتشدّدة مثل أفغانستان وحتى باكستان رغم الحملات الإعلامية التي تقوم بها الحكومة ورغم وجود مناطق ذات طبيعة جميلة، ولكن ميل المجتمع الباكستاني نحو التشدّد جعل هذه الجهود تذهب سُدى، ففي عام 2004 مثلاً زار باكستان أقل من مئة ألف سائح، بينما زار الهند عام 2019 أكثر من 19 مليون سائح أنفقوا 28 مليار دولار، وكذلك من المُلاحظ تراجع السياحة في مصر مؤخّراً نتيجة سير المجتمع المصري نحو التشدد. 

أي أن التشدد الديني الذي تسير عليه إندونيسيا حاليا والقوانين التي يتم إقرارها لن تُغير كثيرا من انتشار العلاقات العاطفية والجنسية خارج الزواج وكل ما ستحققه هو أنها ستضرب قطاع الأعمال والسياحة مما سيؤدي إلى مزيد من الانخفاض في مستوى المعيشة وارتفاع أعداد من يعيشون تحت خط الفقر، وهذا ما يفعله دوما الإسلاميون المتشددون في البلاد التي يسيطرون على حكمها أو على مجتمعاتها. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.