حمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارته المفاجئة إلى العاصمة البيلاروسية مينسك يوم الاثنين الفائت، حزمة من الحوافز الاقتصادية والتجارية والدفاعية لجارته الأقرب عرقيا ولغويا وثقافيا وروحيا، بهدف الحفاظ على ما تعتبره موسكو تحالفا استراتيجيا بوجه الغرب، حيث أكد بوتين أن مينسك شريكة لموسكو في جميع المجالات.
في اللقاء الذي جمع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو قدم فلاديمير بوتين كافة الإغراءات العسكرية والاقتصادية للحفاظ على تحالفه مع لوكاشينكو، كما أنه أعطى كافة التطمينات والضمانات بأن بلاده لا تخطط لضم بيلاروسيا ولا تسعى لذلك أصلا، وأكد خلال المؤتمر الصحفي مع لوكاشينكو أنه "ليس لدى روسيا أي اهتمام بضم أحد، هذا غير مجد اليوم"، وأن "المسألة لا تتمثل في الضم، بل في تنسيق السياسات الاقتصادية".
بالنسبة لبوتين فإن مزاعم الغرب حول نية روسيا ضم بيلاروس "هراء" ومحاولات من خصوم البلدين لعرقلة التكامل بينهما في إطار اتحاد روسيا وبيلاروس. لكن بالنسبة للرئيس البيلاروسي لوكاشينكو بالرغم من مكاسب الزيارة على الصعيدين الاقتصادي والدفاعي، إلا أنه لم يتخل عن محاذيره في مستوى العلاقة بين البلدين والإشكالية الداخلية والخارجية التي قد يتسبب بها الانصهار الكامل مع روسيا، كما أن هناك حدودا لا ترغب مينسك في تجاوزها بشأن تكاملها مع موسكو حتى لا تقوض نهائيا علاقاتها مع أوروبا.
فعليا لم يبد لوكاشينكو حماسة للانخراط في تحالف استراتيجي مع جارته الكبرى روسيا، وبعد أكثر من 10 أشهر على المغامرة الروسية العسكرية في أوكرانيا وسلسلة الهزائم المتتالية التي تعرض لها الجيش الروسي خصوصا في الشهرين الأخيرين، يبدو واضحا أن مينسك لا ترغب أن تكون في معسكر الخاسرين.
لذلك اختارت مينسك في الآونة الاخيرة التركيز على مكاسب الشراكة مع موسكو التي تخدم مصالحها الاستراتيجية في حماية استقرار نظامها السياسي، حيث يتفق البلدان في رؤيتهما السلبية للسياسات الغربية، ويقفان صفا واحدا بوجه توسع الناتو شرقا، كما أن مينسك تجهد لتجنب نفسها تداعيات الحرب الأوكرانية، فلا تريد أن تحولها موسكو إلى أحد خطوط دفاعها ولا أن يعاقبها الغرب على تعاونها المشبوه مع موسكو ضد كييف.
عمليا فرضت الوقائع العسكرية في أوكرانيا على مينسك التروي في مقاربتها الأوروبية، فقد أدى فشل الكرملين تحقيق أهدافه الأوكرانية إلى مقاربة بيلاروسية جديدة في التعاطي مع الموقف الروسي، خصوصا أن الهزيمة في أوكرانيا كشفت عن انقسامات داخلية روسية، حيث لم يعد ممكنا للكرملين إخفاء انقسام مراكز صنع القرار الروسي والنخب السياسية والأمنية والاقتصادية ما بين معسكر عقلاني يريد حلا في أوكرانيا يحفظ ماء وجه الكرملين ويوقف مسلسل الانكسارات والهزائم، وبين معسكر الحرب الذي يصر على الذهاب حتى النهاية مهما كانت النتائج.
الأرجح أن موقف لوكاشينكو من الحالة الروسية يتقاطع تقريبا مع المعسكر العقلاني في موسكو، لكنه على الأغلب يتعامل مع قيادة روسية متشددة لم تزل حتى اللحظة تميل إلى معسكر الحرب، لذلك يمارس عقلانية سياسية تفرض عليه تحييد بلاده نهائيا عن أي انخراط في الحرب الأوكرانية وتجنب أي نوع من المواجهة مع الغرب، فلوكاشينكو المعني في شراكته مع موسكو يريد حصرها بمساعدته اقتصاديا وبضمان وقوفها إلى جانبه في حال تعرض نظامه لأي تهديد داخلي من قبل المعارضة، لكنه في المقابل لا يرغب في قطع ما تبقى له من خيوط مع الأوروبيين والأميركيين.

