جنازة أحد ضباط الشرطة الأردنيين الذين قتلوا في مداهمة أمنية
جنازة أحد ضباط الشرطة الأردنيين الذين قتلوا في مداهمة أمنية

في الوقت الذي كان فيه الأردن يُلملم جراحة إثر مقتل العقيد عبد الرزاق الدلابيح خلال الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، وما تبعها من مقتل ثلاثة من مرتبات الأمن العام على أيدي خلية تكفيرية إرهابية كانت متورطة بقتل الدلابيح، كان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يستضيف قمة بغداد للشراكة والتعاون في رسالة واضحة أن الأردن آمن مستقر، وبذات الوقت لفت الانتباه إلى حاجة الأردن للدعم، والمساندة الاقتصادية، للتغلب على الصعوبات التي يواجهها. 

الاحتجاجات والاضرابات هدأت وتيرتها، وسقوط ضحايا من الأمن العام، وإشارات الدولة الواضحة إلى محاولات لحرف الاحتجاجات السلمية، واستغلالها لإثارة الفوضى، وتسلل خلايا إرهابية نائمة لضرب الاستقرار دفع الكثير من الأردنيين إلى مراجعة حساباتهم، وتفضيل السكوت، والهدوء، والعودة من الشارع حتى ولو على حساب مصالحهم، ومطالبهم.

الاحتجاجات والإضرابات لم تتوقف نهائيا، ووزير الداخلية مازن الفراية الذي خرج بمؤتمر صحفي كان واضحا في تحذيراته "لن نسمح باستغلال الاحتجاجات، والتعبير السلمي لأخذ البوصلة باتجاه العنف، والإضرار بالممتلكات، والذهاب إلى عدم الأمن".

ولكنه أمسك العصا بشكل متوازن بالحديث عن تعامل الأمن العام بانضباطية مع الأحداث، ولم يتعرض أي معتصم سلمي، أو وقفة احتجاجية لأي قيد، والتنويه الواضح إلى عدم ملاحقة أي شخص شارك بالاحتجاجات السلمية.

في المؤتمر الذي تحدث به وزير الداخلية، أعلن مدير الأمن العام عبيد الله المعايطة الضرب بيد من حديد ضد من يخل بالأمن العام، مشيرا إلى 49 إصابة بين رجال الأمن العام خلال الاحتجاجات، وإلى إطلاق العيارات النارية من المخربين، وقطع الطريق، والإضرار بالممتلكات.

الحكومة المتهمة بالغياب عن المشهد، وفشلها حتى اللحظة بالتجاوب مع مطالب المحتجين، رفضت عشيرة الشهيد الدلابيح استقبالها في بيت العزاء، وهذا الفيتو امتد ليشمل مجلس الأمة بشقيه؛ النواب والأعيان، في إشارة واضحة إلى تحميلهم مسؤولية تفاقم الأزمة، وتعاظم الغضب الشعبي، مع الإشارة، الاستدراك أن رئيسي الأعيان، والنواب قاما بزيارة بيت العزاء لاحقا.

على لسان وزير الداخلية لا زال تخفيض أسعار المحروقات خطا أحمر، تقول الحكومة دون مواربة إنها لا تستطيع أن تفعله، وهو ما يزيد حالة الانفعال والغضب في الشارع، ولولا أن "الدم" كابح للانفعالات في الأردن لتدحرجت كرة الثلج، وتعمقت الأزمة أكثر.

صُدم الأردنيون بمقتل نائب مدير شرطة معان، الدلابيح، وظل السؤال الشاغل لهم؛ كيف قتل؟، وهم على ثقة أن المحتجين، والمتظاهرين أبرياء من دمه، وتاريخ الاحتجاجات في الأردن خالٍ من العنف، ولم يقترب يوما من إراقة الدماء.

بعد مقتل ثلاثة من مرتبات الأمن العام أفصحت الحكومة عن تفاصيل ما حدث، وكشفت عن خلية إرهابية قامت بإغلاق الطريق، ومهاجمة القوة الأمنية، وإصابة الدلابيح برصاصة في الرأس.

التحريات الأمنية للقبض على مرتكبي جريمة قتل الدلابيح قادت إلى الخلية الإرهابية، وحين حاولوا إلقاء القبض عليهم فتحوا نيرانهم، مما أدى إلى مقتل ثلاثة مرتبات الأمن العام، وإصابة خمسة آخرين، وقتل المتهم الرئيسي في اغتيال الدلابيح، وألقي القبض على المشتركين في الخلية النائمة، والرواية السائدة للحكومة أن الخلية الإرهابية استغلت الاحتجاجات لتنفيذ عمليتها الإرهابية لخلق الفوضى في الأردن، وأن الذين قاموا بهذه الجريمة من حملة الفكر التكفيري.

قضية ضحايا الأمن العام أثارت حالة من الغضب الشعبي، ويُفسر الوزير الأسبق، والعين الحالي خالد الكلالدة سقوط الضحايا، بأن القوة الأمنية ذهبت لتطبيق القانون، وليس للتصفية أو القتل.

من عزاء الدلابيح تعهد العاهل الأردني أنه لن يهدأ له بال حتى ينال المجرم عقابه، مؤكدا أن كل من يرفع سلاحه في وجه الدولة سيتم التعامل معه بحزم، وبمداهمة الخلية الإرهابية، والقبض عليهم، ينتظر الناس أن يتعرفوا على تفاصيل ما حدث، ومخططات "الذئاب المنفردة" التي أربكت مشهد الاحتجاجات، وخلطت الأوراق.

الكلالدة، وغيره من المسؤولين السابقين، وحتى أعضاء مجلسي النواب والأعيان يطالبون الحكومة بمحاورة المحتجين للتوصل إلى تفاهمات معهم، وتقديم الحقائق للمجتمع حتى لا تنتشر الشائعات، ولهذا وفي سياق الضغط على الحكومة وقع 34 نائبا في البرلمان على مذكرة لحجب الثقة عن الحكومة، وحتى الآن لا يُعرف مصيرها، ولم يُعرف إن كان عدد الموقعين سيزداد، وهل هي جدية، أم لا تزيد عن "بروبجندا" تُستخدم دائما من النواب ليقولوا "فعلنا ما نستطيع فعله"؟

أغلقت الحكومة الأردنية تطبيق "تيك توك"، واتهمته أنه يروج ويحرض على العنف والكراهية، وأصدرت هيئة الإعلام تعميما - جمدته لاحقا – طالبت فيه المؤسسات الإعلامية بـ "فرض رقابة ذاتية على التعليقات على صفحات منصات التواصل الاجتماعي لهذه المؤسسات لأن بعضها يشمل خطاب كراهية، ويُخالف العادات والتقاليد، وتتضمن عبارات شتم لا تليق بأردنيتنا"، وخرج رئيس المركز الوطني للأمن السيبراني ليُعلن أن الحكومة ستتخذ إجراءات ضد الحسابات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وستُخاطب بذلك الشركات لإغلاقها.

تذهب الحكومة لفرض حلول في مواجهة الاحتجاجات المطلبية من بينها حجب "تيك توك"، أو القيام ببعض الاعتقالات للحد من دور النشطاء في قيادة المظاهرات، والإضرابات، لكنها تُدرك أكثر من غيرها أن هذه الإجراءات مهما اتسمت بالانضباط، أو القوة لن تكبح جماح الرفض لسياساتها الاقتصادية، ولن تبني جسور الثقة مع الشارع.

بعد مقتل رجال الأمن العام شهد الشارع تحولات اتسمت بالحذر، وحركة الاحتجاج قد لا تجد الزخم الذي حازته في الأيام الأولى، والملاحظ أن المدن الكبرى: عمان، الزرقاء، إربد، وباستثناءات محدودة تغيب عنها الاحتجاجات، ولا تجد التجاوب، والصدى المطلوب، وبدأت الحكومة بالتحذير من تعطيل الإضرابات للحياة العامة، وتوقف سلاسل التوريد في ميناء العقبة، ولم يُخفِ رئيس غرفة الصناعة فتحي الجغبير الأضرار الناتجة عن الاعتصامات، والإضرابات، وقدرها بـ 15 مليون دينار أردني يوميا، وخيّم الحزن مع قرب احتفالات عيد الميلاد المجيد، ورأس السنة الميلادية، وأعلن مجلس الكنائس إلغاء الاحتفالات بعد سقوط قتلى الأمن العام.

البوصلة تتغير، والنواب وجهوا رسالة للعاهل الأردني، يقولون فيها إن "الأيام الماضية شهدت احترام الدولة للحق في التعبير السلمي وفق القانون، ولكن ما شهدناه من أحداث مؤسفة يضع مؤسسات الدولة أمام مسؤولية إنفاذ القانون، والوقوف في وجه من يريد العبث، ويُحرض على الفوضى، ويبث الكراهية، فحماية أمن الوطن، واستقراره تتقدم على كل شيء".

هذا ملخص ما يراه النواب، ويضع الناس في مقدمتهم المحتجين يدهم على قلوبهم حين تسيل الدماء، حتى ولو كانوا أبرياء منها، ويفضلوا أن يلوذوا الصمت، وكظم غيظهم، ووجعهم على أن تعمّ الفوضى في بلادهم، فالمشهد الإقليمي حولهم يُرعبهم، ويخيفهم.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.