زيلينسكي إلتقى بايدن وعقد معه مؤتمرا صحافيا في البيت الأبيض
زيلينسكي سافر لأميركا في أول زيارة خارجية له منذ الغزو الروسي

صورة الرئيس الأميركي جوزيف بايدن وعلى وجهه ابتسامة عريضة وهو يعانق نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خارج البيت الأبيض الأربعاء تحمل دروساً في الحرب والسلم وفي الجيوسياسة واستراتيجية تحجيم الخصم بكلفة صغيرة. 

الزيارة وهي الأولى للرئيس الأوكراني خارجيا منذ غزوة فلاديمير بوتين الميؤوسة لأوكرانيا، وتختصر أهم حدث في هذا العام وما معناه أن تكون كييف انتصرت وبمساعدة واشنطن بدحر من كان يهول بأنه قوة عالمية وبأنه سيحتل جارته خلال 48 ساعة.

زيلينسكي ليس بالمفروض حتى أن يكون موجوداً اليوم وفقاً لحسابات بوتين. فروسيا وجيشها الثاني أكبر قوة في العالم، كان يفترض أن يكتسح أوكرانيا ويسقط حكومة زيلينسكي ليستعيد المجد الإمبريالي وحلم ل"روسيا الأم." 

بدلاً عن ذلك، إنها أميركا الأم التي تكتسح ومن دون جندي واحد على الأرض وتمرغ أنف بوتين بوحول أوكرانيا، مجبرة إياه على الانسحاب شرقا من دون أن ينجح بإمساك إقليم واحد في البلاد. فمن خاركيف الى الدونباس إنها صواريخ الجافلين والهيمار وقريباً الباتريوت التي تحسم المعارك. إنها أيضا المقاومة الأوكرانية التي فضحت هشاشة الجيش الروسي وتردد جنوده سواء كانوا من الشيشان أو مرتزقة "واغنر". 

بالنسبة لبايدن، الاستثمار في مقاومة أوكرانيا وفي زيلينسكي هو الرهان الأنجح منذ حرب يوغوسلافيا وإسقاط سلوبودان ميلوسيفيتش. إنما هو أقل كلفة على واشنطن وأكثر ضرراً على روسيا من حرب الناتو في يوغوسلافيا. 

تمويل واشنطن الدفاعي لأوكرانيا يناهز الـ19 مليار منذ بداية الغزو الروسي في 25 فبراير. هذا الرقم ليس بالكثير أبداً إذا أخذنا بعين الاعتبار كم صرفت أميركا في الحرب الباردة (١٦ تريليون) بغرض إضعاف روسيا. اليوم بايدن يوقع على أرقام البنتاغون والكونغرس من دون أن يجازف بحياة جندي أميركي، والنتيجة هي أن بوتين أضعف من أي وقت مضى منذ وصوله الحكم في 2012. فهيبة الكرملين التي تعاظمت في الحرب السورية، تتآكل اليوم في شرق أوكرانيا وفي دول الجوار. فحتى من كانون أصدقاء بوتين في كازاخستان وأرمينيا لا يريدون صورة معه.

زيارة زيلينسكي تعكس أيضا ثقة أوكرانيا بالواقع على الأرض وقدرة الرئيس المقاتل مغادرة البلاد من دون المجازفة بانقلاب. هي أيضا رسالة من بايدن لمجلس النواب الجمهوري المرتقب بألا يقطع الدعم عن كييف. 

الزيارة لا تعني أن بايدن لا يريد مفاوضات سلام بين أوكرانيا وروسيا إنما لن يضغط على زيلينسكي ولن يستعجل هذا المسار في غياب عرض جدي من بوتين. أميركا ومعها أوروبا تتأذى اقتصاديا من الحرب انما قادرة على المضي بهذا الخط لعامين آخرين وهي غيرت استراتيجيتها للنفط والغاز وفتحت قنوات اتصال من الجزائر الى فنزويلا لتقليل الاعتماد على بوتين. 

بالنسبة لدول المنطقة، فهل تعلمت الدرس بأن الرهان على موسكو هو مرة ثانية وثالثة ورابعة رهان خاطئ؟ فمن حرب 1967 حتى اليوم، خذلت روسيا المنطقة دفاعيا ولم تكن  قادرة على الحسم لا في سيناء ولا في إدلب. 

لقاء بايدن-زيلينسكي في البيت الأبيض شبهه البعض بلقاء رئيس الوزراء البريطاني السابق وينستون تشرشل بفرانكلين روزفلت في ١٩٤١ وفي خضم الحرب العالمية الثانية التي قضت على أدولف هتلر. 

روسيا ليست بنفس الخطر الاستراتيجي والأهمية اليوم انما المعنى الجيوسياسي لبايدن-زيلينسكي يشبه كثيرا تلك الحقبة ونجدة واشنطن لأوروبا أمام تهديدات من ظنوا أنهم يرأسون قوى امبراطورية. والعام الذي بدأ بسقوط الصواريخ على كييف لا بد وأن ينتهي بصمود زيلينسكي ووقفة شجاعة من البيت الأبيض. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.