طالبة أفغانية تغادر جامعة في قندهار بعد صدور قرار طالبان
طالبة أفغانية تغادر جامعة في قندهار بعد صدور قرار طالبان

قمع النساء واضطهادهن، وإرهاب المخالفين وقتلهم، والتفنن في وضع القوانين والعقوبات المقيدة للحريات وإهدار الحقوق والإذلال المنهجي للبشر والشجر والحجر هي بعض ثمار الدولة الدينية التي أقامتها حركة طالبان في أفغانستان.

وآخر هذه الثمار هي قرار الحركة إغلاق الجامعات الحكومية والخاصة أمام الفتيات والنساء في عموم البلاد وذلك بعد إغلاق المدارس المتوسطة والثانوية أمام الفتيات.

لا توجد مفاجآت هنا. وما تقوم به حركة طالبان ضد النساء هو أمر متوقع بالنظر إلى المرجعية الدينية التي تعتمدها والثقافة القبلية التي جاءت منها.

الواقع أن الغالبية العظمى للدول التي قامت على أساس الدين أو تبنى الحاكمون فيها عقيدة دينية انتهت إلى هذا الشكل من الممارسات. الاختلاف فيما بينها هو فقط في الدرجة وليس في النوع.

مع ذلك هناك من يروّج للدولة الإسلامية والحكم الإسلامي بوصفه الحل وهناك من يقتل الناس ويرهبهم من أجل هذا النوع من الحكم.

والأمر لا يقتصر على حفنة من التنظيمات الإرهابية، ولكنه يمتد إلى قطاعات لا بأس بها من المسلمين، الذين لا تزال دعاية الإسلام السياسي قادرة على إقناعهم بأن الدين والسياسة يمكن أن يجتمعا تحت سقف واحد وأن الدولة الحديثة يمكن أن يقودها رجل دين وأن الدستور لا بد أن ينص على دين للدولة وأن النصوص الدينية هي المصدر الرئيسي للتشريع.. إلخ.

هذه الإشكالية الكبرى هي التي تجعل نظاما مثل طالبان ممكنا في هذا العصر، وهي التي تمنع معظم الدول العربية والإسلامية من إبداء الاستنكار والتنديد بما تقوم به طالبان، والاكتفاء بالتعبير عن القلق أو الأسف. (حتى كتابة هذا المقال رفضت كل من تركيا والسعودية وقطر قرار طالبان وأعربتا عن استغرابهما وأسفهما لصدوره، فيما استنكرته منظمة التعاون الإسلامي).

رغم أن الأمر هنا ليس متعلقا بإجراء سياسي أو عسكري أو متصلا بقضية جدلية ما، ولكنه يتعلق بحرمان نصف المجتمع الأفغاني من التعليم والعمل وإعادة عقارب الساعة في هذا المجال نصف قرن على الأقل للوراء، وبهذا المعنى فإن ما تفعله حركة طالبان لا يختلف كثيرا عن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.

لحسن الحظ، لم تتوقف دول العالم المتحضرة عن التنديد بقرارات طالبان وإجراءاتها ضد النساء، ولم توفر عقوبات يمكن فرضها على الحركة إلا وفرضتها. فيما أكدت البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة أنه لا يمكن أن تكون طالبان "عضوا شرعيا في المجتمع الدولي حتى تحترم حقوق كل الأفغان وخاصة النساء".

لكن طالبان لم تتراجع عن نهجها ولا يبدو أنها سوف تفعل. فيما أقرب حلفائها مثل الباكستانيين والقطريين لا يزال يحدوهم الأمل بأن ينصلح حال الحركة.

الواقع أن التنديد والإبقاء على العقوبات وتوسيعها هو أمر مطلوب، والخطة الأوسع ينبغي أن تكون هي عزل حركة طالبان ومعاملتها ككيان منبوذ وغير شرعي وخارج إطار الشرعية الدولية. كما يجب ممارسة الضغط على الحكومات المتحالفة مع طالبان وخاصة الدوحة وإسلام أباد لإنهاء دعمهما للحركة والانسجام مع مواقف المجتمع الدولي في هذا الإطار.

إن المشكلة هي ليست فيمن يسيطر على الحكم في أفغانستان، فهذا الأمر يعود للأفغان أنفسهم، ولا يمكن لأحد أن يقرره بدلا عنهم، لكن من المعيب أن يجد العالم نفسه في وضع يضطر فيه للتعامل مع حركة دينية رجعية ومتخلفة تتحكم في شعب بأكمله وعلى نحو تنكر عليه أبسط حقوق الإنسان مثل التعليم وتصادر أبسط حرياته في العيش الطبيعي والكريم.

هذا الواقع المظلم لأفغانستان تتداعى فصوله أمام أنظار العالم كله والذي يصاب بالاندهاش الشديد ولا يستطيع أن يستوعب باسم أي دين وأي ثقافة يمكن أن تحرم طفلة من الالتحاق بمدرستها المتوسطة أو الثانوية، وما هو الضرر الذي يمكن أن ينتج عن تعليم الفتيات!

أقول إن المسألة هنا تجاوزت السياسة وبات من الضروري أن تدق الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى ناقوس الخطر وأن تتم محاسبة نظام طالبان على سياساته وممارساته القروسطية تجاه الأفغان، وأن الأمر لا يتعلق بخصوصية أو اختلاف ثقافي مزعوم، ولكنه يتعلق بحقوق أساسية للبشر مثل التعليم والعمل وحرية الحركة والتنقل واختيار الزي وما شابه.

وهي الحقوق التي تبدو بديهية في معظم دول العالم، ولكنها حلم بعيد المنال بالنسبة لنساء وفتيات أفغانستان، هذا البلد المنكوب.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.