يبدو جليًّا أنّ فرنسا والقوى الإقليميّة التي تشاركها الاهتمام بلبنان قد انتهت من "هندسة" الحل لمشكلة الشغور السلطوي الشامل الذي يمر به لبنان، وتتحضر لمرحلة التنفيذ.
وفق التصوّر الذي تمّ التوصل إليه، فإنّ الحلّ يقوم على معادلة مركبة وليس على معادلة بسيطة، بحيث يكون الاتفاق، في آن، على رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة والتوازنات في مجلس الوزراء.
وهذا يعني أنّه في حال كانت ل"حزب الله"، ومن خلفه إيران، الغلبة في شخص رئيس الجمهوريّة، فحينها تكون الغلبة للقوى المناوئة لهذا الحزب، ومن خلفها للمملكة العربيّة السعوديّة، في شخص رئيس الحكومة، على أن يكون هناك توازن في توزيع القوى في مجلس الوزراء، شرط أن تلتزم جميعها ببرنامج إصلاحي تمّ الاتفاق على إطاره الأوّلي مع "صندوق النقد الدولي"، في وقت تكون الأرضيّة قد اكتملت لينطلق "البنك الدولي" في تمويل مشاربع حيويّة للشعب اللبناني، وضعها "التعثّر السلطوي" على الرف، مثل ملف استجرار الغاز من مصر والكهرباء من الأردن.
ولتمرير هذا التصوّر، تراهن فرنسا على قنوات اتصالها مع "حزب الله" التي تعتقد بأنّها أثبتت فاعليّتها في المرحلة النهائية للمفاوضات حول اتفاق ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، كما على تأثّر قوى أساسيّة مناوئة ل"حزب الله" بما يُرضي المملكة العربيّة السعوديّة، إذ إنّه كما يستحيل التوصل الى حل من دون إيران يستحيل أيضًا التوصل الى حل منتج للإنقاذ، من دون السعودية التي تُشرِكها باريس بكل ما تقوم أو تزمع القيام به في لبنان.
وتعتبر فرنسا أنّه لا بدّ من العمل على "تحييد" أيّ قوّة يمكن أن تقف حجر عثرة أمام تنفيذ هذه الخطة، وهي في هذا المجال، كما تؤكّد مصادر قصر الإليزيه، تقصد رئيس "التيّار الوطني الحر" جبران باسيل وتعتبره "هشًّا" للغاية، لأكثر من سبب شخصي وسلوكي وسياسي، ودوافعه الى "العرقلة" هي أنانية بالمطلق.
وفي الحديث الذي أدلى به ماكرون لصحف "لوموند" و"وول ستريت جورنال" و"النّهار"، في الطائرة الرئاسيّة التي كانت عائدة من عمّان الى باريس، وجّه الرئيس الفرنسي صفعة قويّة الى باسيل، عندما دخل الى صلب المواجهة التي يقودها "التيّار الوطني الحر" في مواجهة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، فقال إنّ ميقاتي "لا يتنازل للذين اغتنوا في السنوات الأخيرة ويريدون البقاء ويقومون بالإبتزاز".
وضمانًا للتنفيذ، وانطلاقًا من التجارب السابقة، لا بدّ من أن يدخل الإتّحاد الأوروبي على الخط، من خلال آليّة العقوبات التي سبق أن اتفق عليها في المسألة اللبنانيّة، بحيث يقع تحت "سيفها المصلت" أيّ طرف يقف حجر عثرة أمام الحل أو يتفلّت لاحقًا من التزاماته التي جعلته جزءًا من الحل.
هل هذه الخطة قابلة للحياة؟
لا يملك أحد جوابًا حاسمًا عن هذا السؤال، ولا بدّ من بذل الجهود اللازمة، قبل الحكم لها أو عليها، فهذه الخطة، من وجهة نظر واضعيها والموافقين عليها، متوازنة وواقعيّة.
ولكن، ألم تكن كذلك حال المبادرة الفرنسيّة التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون في بيروت، في سبتمبر 2020؟
من وجهة النظر الفرنسيّة أنّ الفرق بين المبادرة الفرنسية الرقم واحد وهذه المبادرة، أنّ الأولى بنت نفسها على معطيات بدت لاحقًا خاطئة، إذ لم يكن في تصوّر باريس أنّ المجتمع المدني الذي ملأ المشهد اللبناني منذ 17 أكتوبر 2019 سوف يتهاوى الى مستوى العدميّة، على الرغم من إعطائه كلّ الدعم المعنوي الواجب، كما لم يكن ماكرون يعتقد بأنّ الطبقة السياسية اللبنانيّة "ساقطة" إلى هذا المستوى من انعدام المسؤوليّة والإفراط بالأنانيّة، بالإضافة طبعًا الى القفز فوق ضوابط دوليّة وإقليميّة عدة.
ووفق أوساط لبنانيّة اطلعت على هذه الخطة، كما من وجهة نظر مسؤولين فرنسيّين عملوا على بلورتها، فإنّ الرئاسة الفرنسيّة أخذت في الإعتبار ما ارتكبته من أخطاء في المبادرة الأولى، واحتوتها وصحّحتها.
وخلافًا لما يظنّه كثيرون، فإنّ باريس مقتنعة بأنّ لبنان لم يفقد بعد عناصر قوّته الداخلية، ودليلها على ذلك، أنّه على الرغم من موافقة السلطات المختصة في البلاد على إعادة فتح الأجواء أمام الطيران الروسي، إلّا أنّ هذا القرار لم ينفّذ، لأنّ الشركات الخاصة التي توفّر وقود الطائرات، رفضت تعريض مصالحها للخطر، طالما أنّه محظور عليها التعامل مع شركات الطيران الروسيّة.
وقد خضعت روسيا، على الرغم من التحالفات والصداقات التي تربطها بلبنان، لقرار هذه الشركات وغضت النظر عن تسيير طيرانها نحو لبنان، من دون أن تثير أيّ ضجة، لأنّ مشكلتها ليست مع قطاع عام متهاوٍ بل مع قطاع خاص يملك القدرة الكافية على الدفاع عن نفسه.
وفي اعتقاد باريس بأنّ مبادرتها الثانيّة تجذب القوى غير السياسيّة في البلاد، وبالتالي تملك ما يكفي من قدرة ضغط على الطبقة السياسية لتسير بمشروع إعادة بناء السلطة، خصوصًا وأنّ الوضعين المالي والإقتصادي أنهيا ما يمكن تسميته ب "ترف الدلع".
وتعليقًا على هذه الخطة قال متفائل "دعونا نحلم"، فردّ عليه متشائم " من جهتي سأمنع دخولها الى منامي، لأنّ الكوابيس أرهقتني".

