ستحتفظ ذاكرة العالم بأحداث يوم الثامن عشر من ديسمبر 2022
ستحتفظ ذاكرة العالم بأحداث يوم الثامن عشر من ديسمبر 2022

ستحتفظ ذاكرة العالم بأحداث يوم الثامن عشر من ديسمبر 2022 إلى أجل طويل بوصفه يوماً تاريخياً بامتياز. لكن استثنائيته هذه لا تتعلق بوقائع المباراة الختامية المثيرة لكأس العالم وفوز الفريق الأرجنتيني على نظيره الفرنسي فقط. بل أيضاً لتزامنه مع مناسبتين بارزتين تمثلت أولاهما بالاحتفالية العالمية العاشرة بيوم اللغة العربية الذي أقرته الأمم المتحدة بغرض إذكاء الوعي بتاريخ اللغة وثقافتها وتطورها، وما شهدته المناسبة من فعاليات ثقافية عالمية واحتفاء وجداني ملفت على وسائل التواصل الاجتماعي، وأيضاً حضور وتألق اللغة العربية بشكل رئيس إلى جانب اللغات العالمية ضمن فضاء المونديال.

فيما تتمثل المناسبة الثانية باحتفاء دولة قطر بيومها الوطني، وهي مناسبة رسمية وإن كانت خاصة بأصحابها، إلا أنهم قلبوها بحنكة إلى عالمية بسبب تزمينها المتعمد مع حفل ختام المونديال والكرنفال الرسمي والشعبي العالمي الذي أعقب المباراة النهائية في شوارع الدوحة، مما ساهم في تسليط أضواء مضاعفة على بعض الثقافة الخليجية، وعلى طموح هذه الدولة الصغيرة التي تمكنت بأناقة وكفاءة من استقطاب العالم وإنجاح المونديال، وتأسيس الثقة بحجم ومستوى الامكانيات العربية حين تتوفر النوايا.

بحيث يمكن اعتبار يوم 18 ديسمبر باليوم العربي-العالمي، أثار حدثه الأبرز المتعلق بالمونديال حماس البشرية وأوقفها على أعصابها المشدودة لساعات، وانتهى بمناسباته الثلاث بما يمكن وصفه بيوم تحققت به بهجة كونية كبرى، ليس بسبب فوز الأرجنتين، بل بسبب أجواء المتعة التي أشاعها عالمياً ورطبت قلوب البشرية جمعاء، مع استثناء الفرنسيين واحترام خيبة أملهم، وأهمية الاشادة بندّية فريقهم الذي ترفع له القبعة بمنافسته الاحترافية الحادة.

ولكن، وفيما العالم يرتشف المتعة من كأس اللعب لشهر كامل، كانت بعض الشعوب المنكوبة تتجرع من كأس المرارة بشكل فائض. ففي أوكرانيا، ارتفعت وتيرة القصف الروسي خلال الشهر الفائت الذي استهدف بشكل متعمد المدنيين والبنى التحتية وتسبب وما يزال بانقطاعات حادة في قطاعات الكهرباء والمياه والتدفئة. وأثارت صور انتشرت قبل أيام على مواقع التواصل الاجتماعي بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة، شجناً عالمياً عبر إبرازها الفوارق الشاسعة لأحد أبرز ساحات كييف، وكيف كانت في السنوات الثلاث التي سبقت الغزو الروسي تتزين بأضواء العيد وتعج بالفرح والحياة، وكيف تبدو اليوم غارقة في الحزن والظلام رغم نصب شجرة ميلاد اتشحت بالشحوب والكآبة وسط الساحة ذاتها.

أما السوريون واللبنانيون، ورغم أنهم سرقوا بعض اللحظات النادرة لمتابعة المباريات عبر كسر تشفير بعض مواقع الأنترنت، أو تابع بعضهم عبر شاشة عملاقة وضعت للعموم (كما ذكر عن إحدى حدائق دمشق). أو تجمهروا بالمئات في البرد القارس ليسترقوا النظر من خلف الألواح الزجاجية للمقاهي والمطاعم الفاخرة التي ترتادها الفئات القليلة الميسورة القادرة على تسديد فواتير مثل هذه الأماكن الباهظة. إلا أن هذه المتعة الآنية، سرعان ما كانت تتبدد مع العودة لمواجهة حقيقة واقعهم المزري المتشابه اليوم نسبياً في كلا البلدين.

ويمكن القول إن كل السنوات الفائتة من المعاناة كانت في كفة، ومعاناة الشهرين الأخيرين من هذا العام في كفة أخرى. إذ تسارع تدهور الليرة اللبنانية والسورية بشكل جنوني، مع ما يجره هذا الانهيار من كوارث انسانية لا حدود لها. وإن كانت بدائل الطاقة في لبنان تعتمد بشكل رئيسي منذ نهاية الحرب الأهلية على الاشتراكات في المولدات الخاصة، تشهد هذه المولدات اليوم عجزاً في تأمين الوقود في ظل الأسعار الخيالية وبدأت بدورها تمارس التقنين في عدد الساعات التي تزود بها مشتركيها، إضافة إلى إيقاف العدد الأكبر من اللبنانيين لاشتراكاتهم لعدم مقدرتهم على تسديد تكاليفها الباهظة في ظل كارثة اقتصادية وطنية تزداد وطأة ساعة بعد ساعة.

فيما الأخبار القادمة من دمشق أكثر سوءاً وسوداوية، وتتركز في معظمها حول أزمة الوقود الخانقة المستمرة منذ أكثر من شهر ونيف، والتي لم يسبق أن حدثت بمثل هذه الشدة حتى في أحلك سنوات الحرب، وتسببت ليس فقط بغياب شبه كامل للكهرباء في بعض المناطق وتقنين خدمة الأنترنت أيضاً. بل في عدم توفر الوقود للمواصلات العامة والخاصة أو شحه الشديد في أحسن الأحوال، الأمر الذي تسبب بحالة شلل شبه شامل في أوصال البلاد، فتوقفت بعض المنشآت الصناعية والتجارية عن العمل، بحسب بعض المواقع السورية الاعلامية الخاصة، ومنح موظفو الدولة والمدارس عطلاً متتالية لعدم توفر وسائل النقل، كما انخفض عدد وسائط النقل بين المدن السورية، إضافة إلى غلاء جنوني في أسعار الأغذية الرئيسة مع التدهور المستمر لسعر صرف الليرة وغلاء الوقود.

هذا غيض من فيض عن أحوال السوريين واللبنانيين وكأس القهر الذي يتجرعونه باضطراد، دون أن يلوح في الأفق القريب بوادر حل قريب لإنهاء هذه المعاناة المزدوجة، أو التخفيف من حدتها من قبل اللاعبين الاقليميين والدوليين الذين يتحملون فيضاً من المسؤولية بما فيهم دولة قطر، والتي لا تعني الاشادة بنجاح وحسن تنظيمها لمونديال عالمي، غض الطرف عن سياساتها التي ساهمت سابقاً في إذكاء المقتلة السورية، جنباً إلى جانب العديد من الدول الكبرى التي يبدو أنها وضعت الملف السوري واللبناني في درج وأقفلت عليهما إلى أجل غير مسمى.

هنيئاً للبشرية باحتفالاتها وبهجتها العارمة بكأس العالم، لكنه وقد انتهى، من العدالة على الدول الفاعلة التي شاركت وصنعت مثل هذه الأفراح أن تعيد الاكتراث الجاد والدعم السريع لملفات الشعوب المنكوبة، كي لا يأتي كأس عالم جديد ومازالت عواصم عريقة مثل كييف – دمشق - بيروت تغرق في الظلام والبؤس والقهر الشديد.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.