متظاهر يشارك في احتجاج يندد بحكومة السوداني في أكتوبر الماضي (تعبيرية)
متظاهر يشارك في احتجاج يندد بحكومة السوداني في أكتوبر الماضي (تعبيرية)

يبدو أنَّ علاقة العراق مع محيطه العربي تجاوزت المشاركات والزيارات البروتوكولية، والتي تنحصر في حدود مجاملات الحضور الدبلوماسي.

إذ في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ نهاية معارك التحرير ضد جماعات التنظيم الإرهابي، داعش، أخذت علاقات العراق الخارجيّة مع محيطه الإقليمي العربيّ تبحث في أطر التعاون والشراكة على المستويات الاقتصادية.  

استثمرت الحكومة العراقية السابقة، برئاسة مصطفى الكاظمي، الانفتاح الإقليمي العربي على العراق وعقدت اتفاقيات شراكة وتعاون اقتصادي مهمة مع مصر والأردن والسعودية، ونجحت في عقد قمة بغداد 2021 لِدول الجوار الإقليمي بمشاركة فرنسيّة.

وعلى الرغم من كل تلك الفعاليات والاتفاقات ولقاءات القمم فإنّها لم تنعكس على تنمية أو تطوير واقع الاقتصاد العراقي. لكن تبقى أهميتها في تعبيد الطريق أمام حكومة، محمد شياع السوداني، للاستثمار فيها على مستوى العلاقات الخارجية مع دول الجوار العربي تحديداً.  

ولعل قمة بغداد الثانية التي احتضنتها عَمّان، عاصمة الأردن، وقبلها قمّة عربية-صينية لِلتعاون والتنمية عُقدت في الرياض، تمثل استمراراً لخطوط التواصل بدلاً من استمرار التقاطعات والنظر إلى العراق ضمن دوائر استقطاب الصراع والتنافس الإقليمي بين إيران وتركيا ودول الخليج.  

ورغم تلك القمم واللقاءات، التي كانت عناوينها الشراكة والتعاون وصور لاجتماعات وتوقيع اتفاقيات، لكننا لحدّ الآن لم نقطف ثمارها. ولعلّ السؤال هنا هو هل ستبقى تلك المؤتمرات واللقاءات الدبلوماسية مجرد دعاية لِلحكومات العراقية المتعاقبة التي تعدها إنجازاً لها في السياسة الخارجية؟ في حين يبقى المواطن العراقي ينتظر ويترقّب عسى ولعلّ أن يقطف ثمار تلك الاتفاقات في تحسين واقعه الخدمي والاقتصادي، أو على الأقل يجد جوازَ سفره مقبولاً ومرحباً به في الدول التي تتفاخر الحكومات العراقية بنجاح زياراتها لها.  

بعيداً عن شعارات التوازن في سياسة العراق الخارجية والابتعاد عن سياسة المحاور الإقليمية، التي باتت شعارات مستهلَكة تكررها جميع الحكومات في برنامجها الوزاري وفي خطابها السياسي الخارجي، لا نعرف لحدّ الآن، إلى أين تتجه بوصلة العراق الخارجية، هل تريد تفعيل مجالات التعاون الاقتصادي التي جرى الاتفاقُ عليها مع مصر والأردن؟ أم تريد أن تبقيها في إطار الشعارات فقط؟ ما هي رؤيتها للإصرار السعودي على الانفتاح السياسي والشراكة في قطاعات الاستثمار الاقتصادي؟  

وإذا كانت تلك الأسئلة على مستوى علاقات العراق مع محيطه الإقليمي، فيبدو أن الأسئلة ستكون أكثر صعوبة إذا كانت تريد مناقشة رؤية الحكومة والقوى السياسية التي تقف خلفها إلى حدود العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، ورغبتهم في الانفتاح والدخول في شراكات اقتصادية عملاقة مع الصين؟  

في الوقت الراهن قد لا يُشكّل تطوير آفاق علاقات العراق الاقتصادية مع الصين تهديداً لعلاقة العراق مع أميركا، لأنَّ إدارة الرئيس، جو بايدن، ربما تكون مشغولة بقضايا أكثر تعقيداً من تطور مجالات العلاقات الصينية- العراقية على المستوى الاقتصادي.

ولكن على الحكومة العراقية أن تدرك خطورة التماهي مع مشروع السعودية في استخدام ورقة توثيق الشراكة الاقتصادية مع الصين لِلضغط على الولايات المتحدة الأميركية.

إذ ربما تكون التداعيات خطيرة جداً في السنوات القادمة، لاسيما أن القوى الفاعلة في صنع القرار السياسي الخارجي الأميركي تصرّ على التعامل مع الصين كتهديد استراتيجي مستقبلي على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. 

على مستوى التعقيد في العلاقة بين البيئة السياسية الداخلية وانعكاساتها على سياسة العراق الخارجية، تبقى مشكلة القوى السلطوية والحكومات تكمن في اعتقادها بأنَّ شرعيتها في الحكم لا تكتمل إلا في استحصال الاعتراف الدولي والإقليمي، لذلك تعدّ اللقاءات والزيارات والمؤتمرات الدوليّة اعترافاً بها وبحكمها، وليس بوصفها سياقاً سياسياً يرتبط بتحقيق المصالح العليا لِلدولة.

ولذلك ليس مهمّاً مدى انعكاس المؤتمرات الدولية والإقليمية على مشاريع التنمية أو حتّى محاربة التطرف والإرهاب في العراق، وإنما يُنظَر إليها باعتبارها مكسباً سياسياً لطبقةٍ حاكمةٍ تعاني من تصدّعٍ في شرعيتها المجتمعية والسياسية.  

وليس مستغرباً أن نشهد تناقضاً في مواقف الكثير من الزعامات السياسية بشأن علاقات وتوجهات السياسة الخارجية العراقية والتأثير السلبي عليها، إذ الكثير من هذه الزعامات تعتقد أنَّ مشكلة بعض الدول الإقليمية تتمثل في رفض الاعتراف بعناوينهم التي فرضوها على المجتمع العراقي بقوّة السلاح أو النفوذ السياسي. ومن ثم تنعكس تلك المشكلة على توجهات الحكومة في رسم سياستها الخارجية وتتحوّل إلى قيود تعرقل خطوات تطور العلاقات الخارجية واتفاقات التعاون في المجالات الاقتصادية وحتّى الأمنية. 

تبدو الفرصة اليوم سانحةً أكثر مِن أيّ وقت مضى أمام العراق لِتحويل الكثير من الشعارات السياسية التي تُرفَع في اللقاءات والمحافل الإقليمية والدولية، وتنادي بضرورة تطبيق مبدأ مصلحة العراق، وتدعو إلى أن يكون التعامل مع البيئة السياسية والخارجية وفق شعار (العراق أولاً).

لكن ذلك يبقى مرتهناً برؤية وسياسات الحكومة في استثمار فكر التعايش الإيجابي مع واقع العراق مهما كان شكل الحكومات أو القوى السياسية التي تقف خلفها. وإدراك القوى الإقليمية أنَّ إقصاء العراق أو بقاءه كدولة فاشلة يؤدي إلى احتمالات معاكسة لما يريده محيطه الإقليمي، ويتم تحويله إلى ساحة لتهديد مصالحه.  

وعلى العراق ألا يواصل التعامل مع محيطه الإقليمي بمنطق ردود الأفعال التي تعبّر عن عدم وضوح في خطواته لِلتفاعل الخالي مِن أي أبعاد استراتيجية أو أفق لشراكة ممتدة. فلدى العراق الكثير من المقومات التي يمكن أن تشكّل أساساً لِلتكامل والشراكة الاقتصادية، وفي الوقت ذاته لديه الكثير من المشاكل في علاقاته الخارجية لا يمكن أن تُحل مِن دون تحديد بوصلة التعاون التي يمكن أن تكون ورقة ضغط لحلحلة مشاكل المياه والأمن مع دول الجوار العراقي. 

القوى الإقليمية العربية تريد أن ترى عراقا مختلفاً عن الماضي القريب، ولكن لحدّ الآن لا نعرف ماذا تريد القوى الحاكمة في العراق، هل تريده عراقاً فاعلاً ومتفاعلاً مع محيطه الدولي والإقليمي؟ أو أن يبقى ساحةً لاستعراض هيمنة نفوذ القوى الإقليمية؟ وإجابة هذا السؤال يجب أن تكون هي البوصلة التي تحدد آفاق سياسة العراق الخارجية نحو البيئة الإقليمية والدولية. 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.