سنة إضافية من الصراع في العراق وعليه - صورة تعبيرية. أرشيف
سنة إضافية من الصراع في العراق وعليه - صورة تعبيرية. أرشيف

هي المقالة الأخيرة في هذه السنة التي تلفظ أنفاسها، تحفزنا لجولة أفق في مروحة الأزمات الإقليمية المفتوحة التي رافقتنا خلالها، في مسعى لاستشراف مصائرها ومآلاتها... مَنْ منها سيجد طريقه للحل أو الاحتواء، ومَنْ منها سيرافقنا طيلة عامنا المقبل، وربما يترحل لسنوات أخرى قادمة، وهل ثمة في الأفق ما يشي بإمكانية اندلاع أزمات جديدة، فوق تلك المتراكمة تحت سماء الإقليم وفوق ترابه؟

ونحن إذ نجري جردة حساب مكثفة لواقع الإقليم من حولنا، لا نسعى لمزاحمة جيوش العرّافين والعرّافات، الذين ستنتعش مواسمهم وتتكاثر إطلالاتهم على الشاشات الفضية، مع قرب انتهاء العام، وإطلالة العام الجديد، وإنما نرغب في تحسس مواطئ أقدامنا، و"تقدير البلاء قبل وقوعه"، سيما وأننا كلما أوغلنا في التفاؤل بمقدم عام جديد، كلما أمعنا في الترحم على أعوام سبقته، فلا قعر ولا قرار لحالة الانهيار التي تعيشها المنطقة، وهيهات لأهلها وساكنيها أن يروا ضوءاً في نهاية نفقها الطويل.

ونبدأ بالأزمة الأطول والأقدم، التي طوت قرنها الثاني منذ سنوات عدة، قضية فلسطين وصراع أهلها في سبيل الحرية والاستقلال، إذ سيطل عليها عام جديد بحكومة إسرائيلية جديدة، هي الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، بإجماع المراقبين الإسرائيليين قبل الفلسطينيين والعرب، عناوين برنامجها الائتلافي ضم أوسع مساحات ممكنة من الضفة الغربية، وتفعيل العمل بعقوبة الإعدام ضد النشطاء الفلسطينيين، وتكثيف أسرلة القدس ومقدساتها، والانتقال بتقسيم المسجد الأقصى من الزمان إلى المكان...سنة صعبة على الفلسطينيين كما تجمع التقديرات، سنة انسداد محكم في الأفق السياسي، سنة المواجهات الساخنة التي تنذر بتطاير شراراتها شرقاً للمس بأعمق مصالح الأردن في أمنه ودوره واستقراره.

سنة جديدة قد تشهد اندلاع انتفاضة ثالثة، لا نعرف أي شكل ستأخذ، وأي مدى ستصل، لكن "المكتوب يُقرأ من عنوانه"، والعنوان تشف حروفه عن "مقاومة مسلحة" في أغلب الظن، تفضي إلى زيادة تآكل مكانة السلطة ودورها، وربما تسريع دخولها "مرحلة ما بعد عباس"، في ظل استمرار حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، فما بعد "إعلان الجزائر"، لا يختلف عمّا سبقه، كما تشير لذلك ورقتا حماس وفتح المقدمتان إلى القيادة الجزائرية، وبناء على طلبها، لمتابعة تنفيذ بنود الإعلان التسعة، وهما الورقتان اللتان كرستا الفجوة بين الفصيلين، بدل أن تجسرانها.

سنة المراوحة في سوريا بانتظار ظهور خواتيم للأزمة الأوكرانية، إن كان لهذه الأزمة من خواتيم يمكن أن تنجلي مع انجلاء السنة الجديدة...مراوحة على وقع الانتخابات التركية التي ستكون حاسمة لجهة تقرير استراتيجية أنقرة الجديدة في سوريا وحيالها، ومستقبل المسألة الكردية في هذا الركن من المربع الإقليمي (التركي-السوري، العراقي، الإيراني)، سنة تفاقم الخانقة الاقتصادية التي قد تفتح الباب أمام "ثورة شعبية ثانية"، بدأت إرهاصاتها في السويداء، ودافعها الخبز قبل الكرامة...سنة "عودة الروح" للإرهاب المدجج بالسلاح والمخدرات، فالتقارير عن "داعش" وأخواته، في سوريا والعراق، تبعث على القلق، وتشي بأن الإرهاب خسر معركة أو معارك بالأحرى، بيد أنه لم يخسر الحرب، ولم يرفع الراية البيضاء بعد.

سنة إضافية من الصراع في العراق وعليه، وإذا كانت السنة التي نودّع، قد شهدت "هجوماً إيرانياً" مضاداً على نتائج انتخابات 2021، وتثبيت حكومة وائتلاف أكثر قرباً من طهران، فإن التقارير التي تتوارد من بغداد، تتحدث عن زحف حلفاء إيران إلى مواقع السلطة الحساسة، من أمنية وعسكرية، وتثبيت مكانة الحشد الشعبي، في مفاصل الدولة، تحت ستار كثيف من الشعارات المؤيدة للانفتاح على الجوار العربي والإقليمي والدولي، وتحت وابل من القصف المركز لمواطن الفساد والفاسدين في الدولة والمؤسسات، وفي ظل "غيبة الصدر" وتياره العريض، الفائز في الانتخابات، فهل ستطول "غيبته"، أم أن الصدر الشاب، يُعدّ أمراً جللاً للعراق والعراقيين؟

ويودّع إقليم كردستان سنته باحتدام الصراع بين قطبيه، "الوطني" و"الديمقراطي"، وسط تزايد التسريبات عن نيّة "السليمانية" الانفصال عن أربيل، واجتماعات مكثفة لقادة الكرد في مركزي الإقليم لتدارس تقسيم السلطة والثروة بين العائلات الحاكمة، وتنسيق الرؤى والمواقف من بغداد والجوارين التركي والإيراني ... خلافات دفعت بمراقبين لاستحضار فصول سوداء من تجربة انقسام تعود لستين عاماً خلت، بين الأخوة الكرد الأعداء.

وتأبى مسقط، اللاعب الهادئ في الأزمة اليمنية، أن تسمح للسنة الجديدة طي آخر أيامها، قبل أن يُتِمَّ "مكتبها السلطاني" زيارة منتظرة لصنعاء، لنزع فتيل انفجار وشيك، وسبر غور التهديدات الحوثية بالعودة إلى لغة السلاح والمسيّرات والصواريخ ... صنعاء لا تريد للتهدئة أن تتحول إلى حالة "لا حرب ولا سلم"، وخصومها لا يستشعرون أن التهدئة تستحق رفع الحصار عن مطار وميناء ودفع الرواتب لمقاتلي الحوثي من جيش ولجان وموظفين، فيما شروط الحل السياسي لم تنضج بعد، والرهان على ضيق الأطراف بخيار العودة للقتال، لا يكفي وحده لضمان الهدوء وصمت المدافع...اليمن على مفترق مع بداية السنة الجديدة، فالهدنة تحتضر وبديلها ليس حالة "لا حرب ولا سلام"، والوسطاء مطالبون بإمعان التفكير من خارج الصندوق، وإلا ذهبت جهودهم أدراج الرياح.

لبنان يستقبل عامه الجديد بلا رئيس للجمهورية وبحكومة تصريف أعمال، حتى الآن لا يبدو الأمر مفاجئاً، فقد اعتاد اللبنانيون "الفراغ" وجربوه في مرات سابقة، لكنه يأتي هذه المرة بطعم الانهيار المالي والاقتصادي والمعاشي المر، فالليرة اللبنانية تلامس ضفاف الخمسين ألفاً مقابل الدولار، وترسيم الحدود البحرية لا يحمل سوى أمل بـ"ازدهار مؤجل"، تعكّر صفوه الاعتداءات "مجهولة النسب" على "اليونيفيل"، وبافتراض أحسن السيناريوهات لهذا البلد الصغير، فإن "وقف الانهيار" هو غاية المنى والطموح.

سنة سيئة بكل المقاييس على اقتصادات المنطقة، غير النفطية/الخليجية بالطبع، انهيارات متسارعة وغير مسبوقة لليرتين السورية واللبنانية، وسقوط حر لليرة التركية والتومان الإيراني والجنيه المصري، دع عنك الأزمات المالية والنقدية التي تضرب الريال اليمني والدينار التونسي والجنيه السوداني.

وبرغم ثبات الدينار الأردني في وجه الأعاصير، إلا أن الأردن يغادر السنة الحالية، على وقع واحدة من أخطر أزماته الداخلية، المتأسسة على الرفع المتكرر لأسعار المشتقات النفطية بكل تداعياتها، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن الأردني، والأهم والأخطر، تآكل جدران الثقة بين الدولة ومواطنيها، فتتحول الأزمة في غضون ساعات من مطلبية إلى سياسية، ومن محلية إلى وطنية، وفجأة ومن دون سابق إنذار، تسيل دماء أردنية في الجنوب، وهو ما لم يحصل طيلة عشرية الربيع العربي بطولها وعرضها.

ما شهده الأردن في مختتم هذا العام من تحركات احتجاجية مرشح للتكرار أردنياً، وفي غير ساحة عربية كذلك (تونس، مصر، المغرب، سوريا وغيرها)، وفرص اندلاع موجات جديدة من ثورات الربيع العربي وانتفاضاته كما حذرنا في مقالات سابقة، تبدو اليوم أعلى من أي وقت مضى، وثمة ساحات عربية تحت المجهر هذه الأيام، فيما السؤال عن أحوالها لا يبدأ بـ"هل" وإنما بـ"متى" سيقع المحظور.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.