عندما وصل نابليون بونابرت بحملته الشهيرة إلى شواطئ مصر أواخرَ القرن الثامن عشر، كان الفارق بين أوروبا والعالم العربي في مستوى "التقدم الاستهلاكي"/ المقتنيات التقنية هائلا.
لقد واجه جنودُ مصر التابعون للدولة العثمانية آنذاك، مدافعَ نابليون بالسيوف وبالسكاكين وبالعِصي. وطبعا، كانت المعركة بين الفريقين "كاريكاتورية" إلى أبعد الحدود؛ تبعا للفرق الهائل في التنظيم وفي التقنية، الذي كان لصالح الجنود الفرنسيين المُتَوَفِّرِين على أحدث الأسلحة وأحدث التقنيات، وعلى أحدث المهارات القتالية، مقابل المقاتلين المصريين/ المماليك الذين كانوا لا يزالون يُحاربون بأسلحة قروسطية، بل وكانوا يتخيّلون المعارك ـ تنظيماً، وإدارةً، واشتغالاً، ومآلاتٍ ـ كما كانت عليه الحال في آخر الحملات الصليبية القروسطية على مصر: حملة لويس التاسع في القرن الثالث عشر الميلادي.
لم تكن حملة نابليون حملة عسكرية مجردة، بل كانت حملة عسكرية مُجَهَّزة بفريق علمي كبير مُتعدّد الاهتمامات، بل وبمطبعة أيضا، وهي أول مطبعة تدخل العالم العربي. وخلال وجود هذه الحملة الفرنسية بمصر، كان علماؤها يستعرضون علومهم الحديثة. وكما يذكر المؤرخ المصري/ مؤرخ الحملة الفرنسية من جهة المصريين: الجبرتي، فإن الفرنسيين كانوا يدعون علماء الأزهر وغيرهم لمشاهدة بعض التجارب الكيميائية التي كانوا يقومون بها. والجبرتي بعد أن يستعرض شيئا مما عرضه الفرنسيون أمامهم يقول ـ معلقا، وبحسرة بالغة ـ: "وهذا مما تقصر عنه عقول أمثالنا".
المهم، جرّاء حملة نابليون؛ انفتحت أعينُ المصريين، ومن ورائهم سائر العرب، على الفرق الحضاري الهائل بين أوروبا من جهة، والعالم العربي من جهة أخرى. أدركوا ـ ولو بكثير من الغموض، وبكثير من الاضطراب ـ حجمَ تخلّفهم المُرَوِّع؛ قياسا بما كانت عليه أوروبا آنذاك. كانت الحملة الفرنسية ضربةً مُفَاجأة على الرأس؛ ليستيقظ هذا النائم من سباته الطويل والعميق.
لقد استيقظ كثيرون، وهم يفركون عيونهم ويمسحون وجوههم، غير مُصَدِّقين بحقيقة نومتهم الكهفية الممتدة لقرون. وعى بعض الناس آنذاك، وخاصة شرائح من النخبة الحاكمة ومن النخبة المتعلمة تعليما متواضعا، ضرورة ردم هذه الهوة العميقة الفاصلة بين العالم الإسلامي من جهة، والعالم الغربي من جهة أخرى.
نعم، لقد أصبح الاشتغال على تجاوز "واقعة التخلّف" هاجسا نخبويا؛ كما عبّر عنه الشيخ الأزهري/ حسن العطار. ولهذا، نجد والي مصر/ محمد علي، وبعد هذه الحملة بثلاثة عقود تقريبا، يُرْسل "البعثة العلمية" إلى فرنسا، تلك البعثة التي كان من أشهر أفرادها (كإمام ومرشد ديني للبعثة) الشيخ/ رفاعة الطهطاوي، بعد ترشيح من شيخه المباشر/ حسن العطار، الذي نصحه بمحاولة فهم سِرّ التقدّم الغربي.
منذ وطئت قدما الطهطاوي الأراضي الفرنسية؛ أدرك ـ بعمق ـ حجم المأساة التي يعيش فيها عالمه الذي جاء منه/ العالم الإسلامي، مقارنة بما أصبح يُشاهده ـ رأي عَيْنٍ ـ في العالم الفرنسي/ العالم الغربي. كان وعيه بالمأساة حادّاً وأليماً. ولهذا، تجاوز مُهمّته الأصلية المتواضعة (= مرشد ديني للبعثة)، وقام بتعلّم الفرنسية، ومن ثم الاشتغال الجاد على فهم أسرار التقدم الغربي. وعندما ألَّف كتابه الشهير عن هذه الرحلة (= تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، كانت المقارنات الأليمة ـ الصريحة والضمنية ـ تنتظم الكتاب، وتُشَكِّل عصبه الأساس.
تَبِعَ الطهطاويَّ كثيرون من أنحاء العالم العربي، ممن قذفت بهم الظروف والأقدار ليكونوا في موضعٍ مؤسساتي أو ثقافي؛ يفرض عليهم المقارنة بين عالمهم العربي/ الإسلامي البائس، والعالم الغربي المتقدم. وبهذا تنامى الوعي بالفارق الهائل، وتعددت المقترحات التي تتغيا تقليص الفجوة؛ كُلٌّ في مجاله. وقد ازدادت هذه الحال الجارحة للاعتبار القوم الذاتي كثافة؛ عندما بدأ الاستعمار الغربي يُطِلُّ برأسه، أي عندما بدأ "التفوق الحضاري الغربي" يأخذ مساراً أكثر حِدَّةً وأشدَّ خُشُونةً في رَسْمِ معالم "العار القومي" المتمظهر واقعيا في احتلالٍ عسكري مُهِين.
على امتداد القرن التالي لحملة نابليون، أي على امتداد القرن التاسع عشر، كان الوعي الأليم (أي الوعي بمأساة التخلف الذاتي الشامل، مقابل الحسرة البالغة الناتجة عن مراقبة اطراد التقدم الغربي الذي كانت معجزاته/ اختراعاته تتوالى) هو ما يُشَكِّل معالمَ وعي النخب السياسية والثقافية في معظم أرجاء العالمين: العربي والإسلامي. وبالتالي، كانت إرادة التتلمذ، إرادة الانبعاث من أجل اللحاق ـ ولو جزئيا ـ بالعالم الغربي المتقدم، هي المسيطرة على اهتمام السياسيين والمثقفين، إن حقا وصدقا، أو كذبا وادّعاء. وهذا ما رأيناه في الخطوات الإدارية والتعليمة، وخطوات الانفتاح على الآخر الغربي في أكثر من مستوى، سواء في الدولة العثمانية أو في ولاياتها العربية، خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي بدأت فيه معطيات الحضارة الحديثة/ الغربية تُلامِس ـ بشكل مباشر ـ حياة معظم الناس في العالم العربي.
ما الذي حدث بعد ذلك ؟ أي: ما الذي حدث مطلع القرن العشرين، وتنامى في النصف الثاني منه، وأصبح هو السائد مطلع القرن الحادي والعشرين؟
الذي حدث هو أن الاستهلاك العربي للتقنيات الحديثة تصاعد؛ دون أن يُحَايثه تًصاعدٌ للتقدم الفكري والعلمي، ودون أن يُقدِّم العالم العربي المستهلك أيَّ إسهام علمي/ إبداعي؛ حتى فيما هو بصدد استهلاكه على نحو واسع و محموم. فَجَرّاء مقدرات من هنا وهناك، أصبح الإنسان العربي مطلعَ القرن العشرين يركب السيارة، ولاحقا الطيارة، ثم هو يلبس أحدث الساعات، ويستخدم المذياع، ثم التلفاز، فضلا عن الهاتف بكل مستوياته. فالعربي كمستهلك؛ أصبح متقدما !
أصبحت مخترعات العالم المتقدم بين يديه بشكل أو بآخر. ومع مرور الزمن، وتوفّر بعض المقدرات الأخرى، أصبح يقتني أحدث ما ينتجه العالم المتقدم، بل ربما أصبحت ساعته الخاصة أحدث من ساعة الغربي في بلد الاختراع، وسيارته أحدث، وهاتفه أحدث، بل ومسارات طرقه أحدث، ومنازله أحدث وأفخم.. إلخ مظاهر التقدم الاستهلاكي، المقرون عربيا بعجز تام عن الإسهام ولو بالقليل، لا في رفع متتاليات هذه المخترعات فحسب، بل حتى في صناعته ـ كتقليد ـ ابتداء.
إن هذا "التقدم الاستهلاكي" مَنح الإنسانَ العربي اليوم شعورا زائفا بانعدام الفارق الحضاري بينه وبين العالم المتقدم. أصبح الإنسان العربي يشعر شعورا عميقا بأن لا فارق حضاريا بينه وبين المشتغلين على الإبداع الحضاري في بوسطن، ولوس أنجلوس، وبرلين، ولندن وباريس...إلخ حواضر العالم الغربي المتقدم.
قد يقول أحدهم: ماذا يضيرنا هذا الشعور الزائف بالتقدّم إذا كان يمنح الذات شيئا من الاعتداد، ومن ثم، شيئا من التماسك ؟ أو: أليس هذا الشعور الجميل يُمَهِّد للتماهي مع عوالِم المُبدِعين حضاريا، ومن ثَمَّ يقود إلى الإبداع الحضاري ؟
في تقديري أن هذا الشعور الزائف يقود إلى مزيد من التبلّد؛ مع مزيد من الاستئناس بالاستهلاك. فشراء أحدث التقنيات سهل، بل هو سهل جدا، ولا يحتاج إلا لبضعة أوراق مالية؛ بينما الإسهام في إنتاج هذه التقنيات صعب جدا؛ فضلا عن صعوبة تطويرها ذاتيا. وخطورة "التقدم الاستهلاكي" أنه يمنح الذات شعورا بالرضا، شعورا زائفا بالإنجاز، شعورا زائفا بالوصول، بالتقدم حضاريا. ما يعني أن ليس ثمة ما يدعو لتَكبّد عَناء التفكير الحاد، ولا لِتَحمُّل أعباء العمل الجاد في أي مجال من مجالات التقدم الحضاري.
لقد رأينا نتائج هذا الامتلاء المُتَورِّم بالاستهلاك السلبي في العالم العربي. كان هذا العالم إذ يتقدّم على مستوى الاستهلاك في القرن العشرين وفي مطلع القرن الحادي والعشرين؛ يتأخر ـ في الوقت نفسه، وفي الاتجاه المضاد ـ على مستوى الإسهام العلمي/ الإبداعي، وعلى مستوى الهِمّة في ابتغاء ذلك، وعلى المستوى الأهم والأخطر: مستوى الإبداع في فنون إدارة الذات في كل المستويات.

