الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب
الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب

أصدرت اللجنة البرلمانية الخاصة التي حققت بالعصيان الذي أدى إلى اقتحام مبنى الكابيتول تقريرها الشامل والمفّصل والذي تضّمن أدلة وحججا دامغة لمحاكمة الرئيس السابق دونالد ترامب وبعض مستشاريه بتهم ارتكاب انتهاكات جنائية لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية في 2020.

وقبل أيام من انتهاء انتدابها بعد 18 شهرا من تشكيلها، أوضحت اللجنة بشكل لا لبس فيه في ملخص تقريرها البالغ 154 صفحة، وفي نص تقريرها الكامل والمؤلف من 845 صفحة، أن المسؤول الأول عن العصيان هو دونالد ترامب، وقالت إن "السبب المركزي لأحداث السادس من يناير 2021 كان رجلا واحدا، هو الرئيس السابق دونالد ترامب الذي كان له أتباع آخرون". وتابع التقرير "ولم يكن أي من أحداث السادس من يناير ليحدث بدونه".

ويبدو أن الذين صاغوا نص ملخص التقرير أرادوه أن يكون بمثابة المسودة الأولى لقرار الادعاء ضد ترامب. الخطوط العريضة لانتهاكات الرئيس السابق للدستور ومحاولاته السافرة (أكثر من مئتي مرة) للضغط على المسؤولين الانتخابيين في بعض الولايات للتلاعب بنتائج التصويت، وتشكيل مندوبين مزورين لتمثيل هذه الولايات في عملية التصديق على نتائج الانتخابات، وأكاذيبه منذ ليلة الانتخابات بأنه هو الفائز بالانتخابات وليس الرئيس بايدن، معروفة إلى حد كبير.

ولكن التقرير وتحقيقات اللجنة التي شملت مئات الشهود، وآلاف الصفحات والوثائق والاتصالات الرسمية كشفت معلومات جديدة ومفصلة ومفاجئة حول حجم المؤامرة الضخمة التي قادها ترامب شخصيا لقلب نتائج الانتخابات، ومن بينها محاولته نشر عناصر من الحرس الوطني حول مبنى الكابيتول، ليس لحماية المشرّعين بل أنصاره من المتمردين الذين اجتاحوا المبنى، ووضعوا الولايات المتحدة للمرة الأولى في تاريخها في ذلك اليوم الداكن على عتبة انقلاب دموي كاد أن يؤدي إلى زعزعة ركائز النظام الديمقراطي في البلاد.

ولهذه الأسباب أوصت اللجنة وزارة العدل بالنظر في محاكمة الرئيس السابق ترامب وبعض مساعديه بتهم تشمل عرقلة عمل الكونغرس (التصديق على انتخاب الرئيس الجديد) ودعم العصيان ضد الدولة (احتلال مبنى الكابيتول) والاحتيال عليها (المبالغ المالية الكبيرة التي جمعها ترامب بحجة مقاومة محاولات "سرقة" الانتخابات منه). كما تأمل اللجنة أن تساهم تحقيقاتها وتوصياتها بمحاكمة ترامب إلى حرمانه مع غيره من المسؤولين عن العصيان من الترشح لأي منصب رسمي، وفقا للتعديل الرابع عشر للدستور والذي يمنع أي شخص يشارك في حركة عصيان أو مساعدة أعداء الولايات المتحدة من شغل أي منصب رسمي.

الأغلبية الساحقة من الشهود الذين مثلوا أمام اللجنة كانوا من الجمهوريين، الذين خدموا في مناصب مختلفة في إدارة ترامب، أو من مسؤولين جمهوريين في بعض الولايات التي كانت فيها النتائج متقاربة من الذين تعرضوا لضغوط ترامب ومستشاريه، أو من بعض الذين شاركوا في العصيان، من الذين قالوا إنهم شاركوا في الاقتحام لأن ترامب دعاهم لذلك.

وجاءت معظم شهاداتهم لتؤكد أن ترامب ساهم في تعبئة المتمردين، وأنه رفض الاستماع لنصائح بعض مستشاريه الذين حذروه من احتمال حدوث أعمال عنف في ذلك اليوم، كما أكدوا رفضه اتخاذ أي خطوة خلال الاقتحام، حتى بعد أن وصلته أخبار العنف وهو يراقب الاقتحام في البيت الأبيض، لحض أنصاره على وقف الاقتحام والانسحاب من المبنى. وأكد جميع المسؤولين السابقين لأعضاء اللجنة أن ترامب لم يتصل بأي مسؤول أمني، في وزارة الامن الوطني أو وزارة الدفاع أو أي جهاز آخر لبحث كيفية وقف الاقتحام . وخلال اقتحام الكابيتول، كتب روبرت غابرييل، أحد مساعدي ترامب لمسؤول آخر "أنا متأكد أن الرئيس يستمتع بما يجري".

توصيات اللجنة لوزارة العدل ليست ملزمة قانونيا، ولكنها بالغة الأهمية سياسيا ورمزيا وأصبحت وثيقة تاريخية.

وبعد أن أعلن ترامب عن ترشحه لمنصب الرئاسة، عينت وزارة العدل المحقق الخاص، جاك سميث، للإشراف على التحقيقات الجنائية الخاصة بالرئيس السابق، بما فيها دوره في اقتحام مبنى الكابيتول. ومنذ تعيينه في 22 نوفمبر، أصدر المحقق سميث استدعاءات قانونية لمسؤولين عن الانتخابات في 7 ولايات أساسية كانت هدفا لتدخلات ترامب ومساعديه للتلاعب بنتائج الانتخابات وهي ولايات جورجيا ونيو مكسيكو ونيفادا وميتشغان وأريزونا وويسكونسن وبنسلفانيا.

وأثنى العديد من المحللين والحقوقيين على عمل لجنة التحقيق الخاصة وشفافيتها وعلى الطريقة المهنية التي أدارت فيها تحقيقاتها وجلسات الاستماع التي نظمتها واستخدامها الخلاق لأشرطة الفيديو التي جمعتها لعملية الاقتحام، واعتمادها على نصوص الاتصالات التي جرت بين الكثير من المعنيين مباشرة بالاقتحام من مسؤولين وعناصر أمنية ومتمردين وعرضها لهذه الأشرطة والنصوص خلال جلسات الاستماع التي شاهدها ملايين الأميركيين على شاشات التلفزيون.

وعلى الرغم من أهمية تركيز طاقات وتحقيقات اللجنة على كشف وتوثيق الدور المركزي لدونالد ترامب في عملية العصيان وخلق "الكذبة الكبرى" حول تزوير الانتخابات، إلا أن بعض الحقوقيين والمحللين تمنوا لو ركزت اللجنة أيضا على تواطؤ أو تورط العديد من المشرعين الجمهوريين في الكونغرس، وخاصة في مجلس النواب، في مؤامرة دعم وتأييد ترامب – حتى بعد العصيان واقتحام الكابيتول – في محاولاته تقويض نتائج الانتخابات. هذا إضافة إلى تورط عدد كبير من المسؤولين الجمهوريين في الولايات التي أراد ترامب أن يتلاعب بنتائج الانتخابات فيها.

ما كشفته التحقيقات المختلفة، وما أكدته بوضوح كبير اللجنة الخاصة، هو أن ترامب لم يكن لينجح في خلق حركة عصيان خطيرة تهدد النظام الديمقراطي، لو لم يحظ بدعم شريحة هامة ونافذة في الحزب الجمهوري في واشنطن وفي مختلف الولايات كانت مستعدة لغض النظر عن انتهاكاته السافرة للدستور، ودعمه في طموحاته السياسية التي تتنافى بالجوهر مع القيم والمبادئ والمؤسسات الديمقراطية المبنية على دستور أقسم جميع الرؤساء الأميركيين، بمن فيهم ترامب نفسه، على صيانته وحمايته والعمل  ببنوده.

ويرسم تقرير اللجنة بتفاصيله الدقيقة صورة قاتمة ومقلقة للغاية حول انزلاق الحزب الجمهوري إلى حد كبير إلى مستنقع الأوتوقراطية وعبادة الشخصية، وكيف عجّلت شخصية ترامب وظاهرة ترامب عملية الانزلاق التي بدأت قبل ترشح ترامب للرئاسة، وإن لم تكن سافرة بهذا الشكل القبيح.

وإضافة إلى آلاف المتطرفين والعنصريين وعناصر الميليشيات اليمينية الذين لبوا نداء ترامب للتجمع في قلب العاصمة الأميركية واقتحام مبنى الكابيتول، صوّت 139 عضوا جمهوريا في مجلس النواب، و8 من الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ على رفض نتائج انتخابات 2020 وذلك بعد ساعات من انتهاء اقتحام الكابيتول.

وأظهرت تحقيقات اللجنة أن عشرات الجمهوريين من أعضاء مجلس النواب ناقشوا مع مدير البيت الأبيض السابق، مارك ميدوز، سبل تغيير نتائج الانتخابات –  حتى بعد رفض المحاكم للطعون التي رفعها ترامب ضد نتائج الانتخابات – كما وافق عشرات المسؤولين الجمهوريين المحليين على أن يشاركوا في لوائح مزيفة كمندوبين انتخابيين بارزين، بدلا من الذين اختارهم الناخبون، للتصديق بشكل مخالف للقانون على انتخاب ترامب.

وللتدليل على انتشار "الكذبة الكبرى" لترامب حول الانتخابات، تبنى هذه الكذبة أكثر من 300 مرشح جمهوري لمختلف المناصب في انتخابات 2022 النصفية. ومع أن الناخبين هزموا بعض أبرز هؤلاء المرشحين الذين ترشحوا لحاكمية بعض الولايات ولعضوية مجلسي الشيوخ والنواب، إلا أن حوالي 170 مرشحا جمهوريا لمختلف المناصب  من الذين تبنوا أكاذيب ترامب، نجحوا في الانتخابات الاخيرة، وذلك في مؤشر آخر حول عمق تضليل ترامب للناخبين الأميركيين.

ردود فعل ترامب على تقرير اللجنة الخاصة كانت غاضبة وهستيرية وتضمنت إهانات لأعضاء اللجنة وللرئيس بايدن وللمحقق الخاص، جاك سميث، وكلها عكست عمق قلقه وتأثير عزلته السياسية وخاصة بعد خسارة معظم المرشحين البارزين الذين تبناهم ودعمهم في الانتخابات النصفية، وبعد بروز أصوات جمهورية نافذة في الكونغرس تتحدث علنا عن انكماش نفوذ ترامب وانحسار أهميته في أوساط الجمهوريين. هذا التقويم صحيح، ولكنه لا يعني أن نفي ترامب خارج العملية السياسية الأميركية قد تم إنجازه. ولكن الإدانة السياسية القوية التي شكلها تقرير اللجنة الخاصة، يوفر خارطة طريق لإدانة ترامب قانونيا وحرمانه من الترشح لأي منصب سياسي، حتى ولو لم تتصرف وزارة العدل علنا وكأنها تسير على هذا الطريق.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.