بوتين يتفقد أسلحته الحديثة
بوتين يتفقد أسلحته الحديثة

كان المفترض بالرئيس الروسي أن يخاطب شعبه ويصارحه ويعده بمحاكمة قيادته العسكرية والأمنية، لأنها تتحمل جزءا أساسيا من الهزيمة الأوكرانية، إلا أن قرار الاستمرار في إنكار وقائع الحرب دفعه مجددا إلى الرهان على قادة عسكريين فشلوا بعد 10 أشهر من مغامراته العسكرية في إثبات قدرتهم ليس فقط على تغيير المعادلة، بل في خطاب بوتين الأخير يظهر القلق هذه المرة على الأمن الوطني الروسي، وكأن خصوم روسيا وأعداءها باتوا يهددون مباشرة وحدة الأراضي الروسية.

في خطابه الأخير في 21 من الشهر الحالي، أعلن الرئيس بوتين تموضعه داخل خندقين، الأول قوة الردع النووي، وهي إشارة مزدوجة للداخل والخارج معا، أما الثاني  فهو استمرار انحيازه إلى معسكر الحرب، وهو الجهة التي لم تزل تقدم لبوتين ذرائع تبرير الحرب وتمارس ضغوطها في قمع النخب المعارضة.

في الخندق النووي يمكن القول إن الرئيس بوتين أعاد تذكير الداخل والخارج بثوابت الردع النووي، مما يعد رسالة طمأنة للشعب الروسي بأن بلاده لم تزل تحافظ على توازن الرعب النووي الذي لن يسمح لأعدائها بتهديد أمنها القومي، ويدفعهم إلى مراجعة حساباتهم الاستراتيجية قبل قيامهم بأي مغامرة ضد بلاده. حيث سعى بوتين في خطابه إلى تذكير الشعب الروسي بحجم عدائية الناتو والغرب، وحيث اتهم الناتو باستخدام قدراته كاملة ضد روسيا، معتبرا ان "منافسي روسيا الإستراتيجيين لهم هدف تاريخي هو إضعاف روسيا وتفتيتها"، لذلك ركز في خطابه على قدرات روسيا النووية ووعد بتطويرها وبتسليم الحديث منها إلى الوحدات العسكرية الاستراتيجية، فقد أكد بوتين اعتماده عليها معتبرا انها القوة التي تمثل أساس الاستقرار في العالم.

أما فيما يخص الخارج، فإن منسوب القلق مما يعتبره بوتين مؤامرة غربية على بلاده قد ارتفع إلى مستوى التلويح مجددا بالنووي، فعلى ما يبدو أن الناتو بات قريبا بما يكفي من حدوده إلى مستوى يهدد أمنه الوطني، والانخراط المتزايد من أجل هزيمة روسيا في أوكرانيا تجاوز الحدود الميدانية للحرب، وبأن الناتو لن يتردد في تهديد سلامة الجغرافيا الروسية، لذلك فإن بوتين رفع مجددا تحذيره النووي حفاظا على وحدة الأراضي الروسية التي إذا هُددت أو مُست فإنها تمثل تهديدا واضحا لسلامة نظامه، وهذا ما أكد عليه في لقاء تلفزيوني بعد خطابه أمام قيادته العسكرية، حيث قال "خصوم روسيا الجيوسياسيون [كانوا] يهدفون إلى تمزيق روسيا، روسيا التاريخية".

أما الخندق الثاني  فهو يضم نخبا روسية حليفة له، تشكل ما بات يعرف في روسيا بمعسكر الحرب، الذي يرفض أي مراجعة ولو تكتيكية للمغامرة الأوكرانية، ويصر على التصعيد مهما كانت التكلفة عالية، لذلك يمثل خطاب بوتين الأخير وإصراره على الاستمرار في الحرب، وإيحائه بأن الجيش الروسي قادر عاى تغيير المعادلة هو المنطق التبرير نفسه الذي تروج له نخب هذا المعسكر من مراكز صنع قرار متعددة، في مقدمتها المجموعة الأمنية العسكرية المعروفة بالسيلافيكي وبعض حيتان المال من الأوليغارشية، إضافة إلى النخب السياسية القومية، الذين يشددون أن على روسيا الفوز بطريقة أو بأخرى، دون الأخذ بعين الاعتبار تداعيات هكذا موقف متشدد على الداخل السياسي والشعبي.

فمعسكر الحرب يحاول إطالة أمد الحرب أو بمعنى آخر تأجيل إعلان الهزيمة كونها ستزعزع الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وقد تتسبب بانقلاب داخل النظام السياسي أو بثورة شعبية، لذلك تتقاطع مصالح هذه النخب مع مصالح صناع القرار داخل الكرملين ليتجنبوا انهيار النظام بأي ثمن .

أمام بوتين كلام كثير ليقوله في المستقبل القريب، فالطرفان الروسي والأوكراني يستعدان لجولة جديدة من القتال قد تتجاوز الثوابت الجغرافية والاستراتيجية، فبوتين لن يسمح بالاقتراب من الحدود الجيوسياسية لبلاده، ولا زيلنسكي سيعترف باقتطاع جزء من جغرافيا بلاده، وما بينهما نووي للضغط لا للاستخدام، و"ناتو" مستمر في استخدام كافة ضغوطه. 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.