تظاهرات متكررة في السودان مناهضة لحكم العسكر في البلاد. أرشيفية
تظاهرات متكررة في السودان مناهضة لحكم العسكر في البلاد. أرشيفية

في مؤتمره الصحفي الأسبوع الماضي، أعلن تحالف الحرية والتغيير انطلاق المرحلة الثانية للاتفاق السياسي في السودان نهاية الشهر الجاري وذلك عبر انعقاد مجموعات العمل لمناقشة خمس قضايا : الإصلاح الأمني والعسكري، العدالة والعدالة الانتقالية، إتفاق جوبا للسلام، إزالة تمكين نظام ال30 من يونيو 1989، بالإضافة لقضية شرق السودان.

وكان الاتفاق الإطاري الموقع بين المدنيين والعسكريين الشهر الماضي قد أوضح الخطوط العريضة لما تم التوصل إليه بين الطرفين و المتمثلة في تشكيل هياكل السلطة الانتقالية من قبل القوى المدنية بالكامل وخروج الجيش من السياسة، بالإضافة لإصلاح الأجهزة العدلية، وتبعية جهازي الشرطة والمخابرات لرئيس الوزراء، وصناعة الدستور، وصولا للانتخابات العامة. 

ومنذ توقيع ذلك الاتفاق أبدت العديد من القوى السياسية والمدنية الرغبة في التوقيع عليه، وهو الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول محاولة بعض الأطراف إغراق الاتفاق بالمزيد من القوى من أجل التحكم في المخرجات المتوقعة للاتفاق النهائي وخاصة فيما يتعلق باختيار شخصية رئيس الوزراء ورأس الدولة (المجلس السيادي).
ومن المهم في هذا الإطار الإشارة إلى أنه لا يمكن إغراق الاتفاق لأن الأطراف محددة ومتفق عليها، خصوصا فيما يتعلق باختيار رئيس الوزراء ورأس الدولة، حيث نص الاتفاق على أن "قوى الثورة" هى الجهة التي تقوم بالاختيار، وقوى الثورة تم تعريفها بأنها تتكون من تحالف الحرية والتغيير و لجان المقاومة فضلاً عن الأحزاب والقوى المدنية التي كانت جزءاً من التحالف حتى سقوط النظام في 11 أبريل 2019 .

وهذا الأمر لا يعني احتكار الاتفاق بواسطة قوى سياسية ومدنية معينة كما يدعي فلول النظام وأتباعهم، حيث يستطيع كل مساند له من الأحزاب والقوى المدنية دعمه ومساندته والتوقيع عليه، مع التزامها بنصوصه التي توضح بجلاء الأطراف والأدوار المنوطة بكل منها.

الشيء الذي يجب التأكيد عليه بوضوح هو أن هذا الاتفاق ملكٌ لكافة قوى الثورة التي ناهضت الإنقلاب بمختلف مكوناتها، ولا يمكن السماح فيه للقوى التي ناصرت الإنقلاب بأشكال مختلفة بأن تكون في مرتبة واحدة مع القوى التي تمسكت بمباديء الثورة وشعارتها ودفعت الثمن غالياً من دماء الشهداء والجرحى والسجون والمعتقلات حتى تستعيد مسار التحول المدني الديمقراطي. 

ومن ناحية أخرى فقد سارع فلول النظام البائد بالتشكيك في نصوص الاتفاق الإطاري، وقاموا بالترويج لفرية تقول أنه يوجد إتفاق آخر "تحت المنضدة" يحتوي على بنود سرية، وهو الادعاء الذي قابله تحالف الحرية والتغيير بنشر نصوص الاتفاق الموقع عليه من قبل كافة الأحزاب السياسية والقوى المدنية والعسكريين والحركات المسلحة، وهى نصوص واضحة ولا لبس فيها.

وكذلك ادعى البعض بأن الإعلان الدستوري الصادر عن اللجنة التسييرية لنقابة المحامين قد جرى تعديله بضغط من العسكر، بحيث تم النص على وجود رأس دولة واحد بدلاً عن مجلس السيادة، كما أنه لا توجد فيه صلة بين الحكومة المدنية على الجيش، فضلاً عن النص على تعيين قائد الجيش من قبل القوات المسلحة بدلا عن القائد الأعلى (رأس الدولة أو مجلس السيادة).

ومن المعلوم أن وجود شخص واحد على رأس الدولة أو مجلس سيادة هو أمر لا يؤثر على مدنية هياكل السلطة، ذلك أن رأس الدولة أو مجلس السيادة سيكون مدنياً وهو الأمر المهم، وكذلك فإن تجربة الحكم الأخيرة أوضحت عدم جدوى وجود 11 شخصاً في مجلس السيادة،وبالتالي فإن هذا الأمر سيخضع للنقاش و التدوال من أجل الوصول للخيار الأفضل.

أما الصلة أو العلاقة بين الحكومة والمدنية والجيش فقد تمت الإشارة إليها بوضوح في الإعلان الدستوري الذي نص على قيام مجلس "الأمن والدفاع" برئاسة رئيس الوزراء، وستكون القوات النظامية ممثلة في هذا المجلس بما يحقق الربط بين السلطة المدنية والجيش.

وبخصوص تعيين القائد العام للقوات المسلحة فقد جرى العرف أن يتم ترشيحه بواسطة الجيش ومن ثم يجيزه ويعتمده القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو في هذا الاتفاق سيكون رأس الدولة أو مجلس السيادة المدني، وبالتالي فإنه لا توجد بدعة جديدة تم ابتداعها في هذا الاتفاق.

ومن جانب آخر، فإن الأسابيع الثلاث القادمة ستشهد انعقاد مجموعات العمل الخاصة بالقضايا الخمس المشار إليها، وبمشاركة واسعة من أصحاب المصلحة في كل قضية، ذلك أن الوصول للاتفاق النهائي يتطلب توافقاً كبيراً ولا يمكن أن يترك لتحالف الحرية و التغيير وحده.

العامل المهم والحاسم في هذا الإطار هو الوقت، فالبلاد تعيش حالة من الفراغ الدستوري منذ أكثر من سنة، ولا توجد حكومة تستطيع مجابهة المشاكل العديدة والظروف المعقدة التي يمر بها السودان داخلياً، فضلاً عن تلك التي يعيشها الإقليم والعالم وانعكاساتها على الأوضاع المحلية خصوصاً فيما يلي قضايا الاقتصاد والأمن.

كما أن القوى المضادة للثورة لن تألوا جهداً في خلق المزيد من المشاكل لعرقلة الوصول للاتفاق النهائي واستئناف المسار المدني الديمقراطي، وقد شهدنا في فترة ما قبل الانقلاب أفعالهم المتمثلة في خنق الاقتصاد عبر اصطناع الأزمات و إشعال الفتن القبلية والجهوية وغير ذلك من الممارسات الهادفة لوأد عملية الانتقال.

لا شك أن الأسابيع القادمة ستشهد حملات محمومة للتشكيك في الاتفاق ومدى قدرته على تحقيق أهداف الثورة، وهو الأمر الذي سيكشف عنه محتوى الإعلان الدستوري الذي سيتم إعتماده في أعقاب النقاشات التي ستشهدها مجموعات العمل المزمع انطلاقها الأسبوع القادم، وفي كل الأحوال يبقى الضامن الأكبر لتحقيق تلك الأهداف هو تماسك قوى الثورة وتوحدها حول شعاراتها الرئيسية وفي مقدمتها مدنية الدولة. 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.