مطلع العام 2023، نكون أمام إسرائيل مختلفة، هي غير إسرائيل بنيامين نتانياهو التي سبق واختبرناها واختبرنا، طبعا، مزاجها الاستيطاني خلال سنوات حكم بيبي الطويلة، إنما إسرائيل مخصبة بالصهيونية الدينية التي أجمع الخبراء من غير العرب على خطرها.
إسرائيل 2023، ستكون غريبة حتى على الإسرائيليين. ستعيش النخبة الأشكنازية في تل أبيب غربة في ظل هذه الحكومة.
ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه النخبة ستلتحق بسلسلة ضحايا الدولة العبرية. فبتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير، إلى جانب مشاريعهما الاستئصالية التي تستهدف الفلسطينيين، هما نموذج عن ظلامية اجتماعية إلى جانب مزاجهما الاستئصالي.
بدأت مشاريع قوانين منع الإجهاض و"مكافحة المثلية" تظهر وتُناقش بموازاة تشكيل الحكومة الجديدة. أما الأكثر خطورة، فهو ما رشح عن البيان الوزاري: "للشعب اليهودي حق حصري وغير قابل للتقويض على كل مناطق أرض إسرائيل. وستدفع الحكومة وتطور الاستيطان في جميع أنحاء أرض إسرائيل، في الجليل والنقب والجولان ويهودا والسامرة" أي الضفة الغربية!
وتاليا، مواصلة الاستيطان هو جزء رسمي من برنامج الحكومة، وطبعا، ضم القدس، وإعطاء الشرطة الحق باستعمال الرصاص الحي.
أصاب الهلع الجيش الاسرائيلي أيضا، ذاك أن بن غفير يسعى لأن يكون له نفوذ فيه، فبادر رئيس الأركان إلى التواصل مع نتانياهو ليبلغه بأن الجيش مؤسسة مستقلة، وأن إعطاء بن غفير صلاحية التدخل في تركيبته تشكل خطرا على مستقبل المؤسسة الأهم في الدولة العبرية.
الملك الأردني عبد الله الثاني يستعد لـ"مواجهة مصيرية" بحسب ما قال لـ"سي أن أن". فالأردن هو المضيف الأول للاجئين الفلسطينيين، وهو الوصي على المسجد الأقصى، وشريك السلطة الفلسطينية في الكثير من الأعباء الناجمة عن المأساة الفلسطينية. أما المذهل أكثر فهو ما رشح عن نيات في نزع الجنسية عن مجموعات من عرب الداخل، وطردهم إلى خارج الخط الأخضر. كل هذا يجري من طرف واحد ومن دون مساومة ومفاوضة. فقط الشعور بالتفوق والقوة، وبرجحان كفة النفوذ، وبتواطؤ الأنظمة المهرولة إلى "سلام من دون أثمان".
الحدث الإسرائيلي هائل ومخيف فعلا، لكن في المقابل، لا يبدو أن أحدا من العرب لديه ما يقوله حول هذا المتغير الكبير الذي حصل في محيطه! هذه الحكومة هي بمثابة الجواب الإسرائيلي على كل ما يجري حول هيدا الكيان. لكن المراقب، ومهما أمعن النظر، فلن يجد أي استعداد سياسي عربي للتعامل مع هذا المتغير. كأن شيئا لم يحدث. لا بل يمكن للمرء أن يلاحظ ترحيبا ضمنيا خليجيا بعودة نتانياهو، وبن غفير نفسه تلقى دعوة لاحتفال بالسفارة الإماراتية في تل أبيب. وهنا على المرء أن يستعيد حقيقة أن اليمين الإسرائيلي لطالما نجح في مخاطبة أنظمة الاستبداد العربي وفي طمأنتها، أكثر من الوسط واليسار، وهو سعى لاستثمار هذه الطمأنينة في مزيد من التغول على الحقوق الفلسطينية.
ما يسمى بـ"دول الطوق"، أي الأردن ومصر من جهة، ولبنان وسوريا من جهة ثانية، فالحال ليس من بعضه. عمان خائفة طبعا من استيقاظ صفقة القرن ومشاريع الوطن البديل، وطبعا، تخوض معركة الوصاية على المسجد الأقصى، ومصر غارقة بأزمتها الاقتصادية الداخلية. أما لبنان وسوريا، فإيران التي تملك النفوذ الأكبر فيهما، تناسبها حكومة من هذا النوع في إسرائيل، فهي تتولى شد العصب حول نفوذها، في وقت أنجز الاتفاق الحدودي مع لبنان مهمته، والغارات الإسرائيلية على سوريا صارت جزءا من ستاتيكو النفوذ الإيراني، ولا تهدد بتغيير المعادلة.
يبقى الفلسطينيون... السلطة في أسوأ أوضاعها. انقسام وفساد وتخل عربي ودولي عنها.
والترجيحات في ظل سلطة الصهيونية الدينية وتوسع مشاريع الاستيطان هي مواجهة عسكرية غير متكافئة مع مجموعات سوف تولد من خارج الاستقطاب بين فتح وحماس. أما الخيار السياسي المتاح، فهو أن تعلن السلطة الوطنية الفلسطينية حل نفسها، وأن تضع المحتل أمام مسؤولياته الحياتية والأمنية.
مسار طويل أفضى إلى هذا المصير في إسرائيل. اليمين الإسرائيلي ومنذ وصوله إلى الحكم في زمن مناحيم بيغن بدأ بتقديم الهدايا للأحزاب الدينية. وزارة التربية وإدارة الاستيطان، والإعفاء من الخدمة العسكرية، إلى أن تمكنت الأحزاب الدينية من مد نفوذ كبير أطاح باليسار، إلا أنه غير من طبيعة الدولة والمجتمع.
الخطر اليوم بالدرجة الأولى على الفلسطينيين، سواء داخل الخط الأخضر أم خارجه، لكن ما لا يقل أهمية هو أن إسرائيل أخرى ولدت، وهي ليست امتدادا لتلك التي أسسها بن غوريون، وبهذا المعنى فإن شروط المواجهة صارت مختلفة.

