نشطاء إسرائيليون يرفعون الأعلام واللافتات أثناء احتجاجهم أمام البرلمان الإسرائيلي في 29 ديسمبر 2022
نشطاء إسرائيليون يرفعون الأعلام واللافتات أثناء احتجاجهم أمام البرلمان الإسرائيلي في 29 ديسمبر 2022

مطلع العام 2023، نكون أمام إسرائيل مختلفة، هي غير إسرائيل بنيامين نتانياهو التي سبق واختبرناها واختبرنا، طبعا، مزاجها الاستيطاني خلال سنوات حكم بيبي الطويلة، إنما إسرائيل مخصبة بالصهيونية الدينية التي أجمع الخبراء من غير العرب على خطرها.

إسرائيل 2023، ستكون غريبة حتى على الإسرائيليين. ستعيش النخبة الأشكنازية في تل أبيب غربة في ظل هذه الحكومة.

ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه النخبة ستلتحق بسلسلة ضحايا الدولة العبرية. فبتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير، إلى جانب مشاريعهما الاستئصالية التي تستهدف الفلسطينيين، هما نموذج عن ظلامية اجتماعية إلى جانب مزاجهما الاستئصالي.

بدأت مشاريع قوانين منع الإجهاض و"مكافحة المثلية" تظهر وتُناقش بموازاة تشكيل الحكومة الجديدة. أما الأكثر خطورة، فهو ما رشح عن البيان الوزاري: "للشعب اليهودي حق حصري وغير قابل للتقويض على كل مناطق أرض إسرائيل. وستدفع الحكومة وتطور الاستيطان في جميع أنحاء أرض إسرائيل، في الجليل والنقب والجولان ويهودا والسامرة" أي الضفة الغربية! 
وتاليا، مواصلة الاستيطان هو جزء رسمي من برنامج الحكومة، وطبعا، ضم القدس، وإعطاء الشرطة الحق باستعمال الرصاص الحي. 

أصاب الهلع الجيش الاسرائيلي أيضا، ذاك أن بن غفير يسعى لأن يكون له نفوذ فيه، فبادر رئيس الأركان إلى التواصل مع نتانياهو ليبلغه بأن الجيش مؤسسة مستقلة، وأن إعطاء بن غفير صلاحية التدخل في تركيبته تشكل خطرا على مستقبل المؤسسة الأهم في الدولة العبرية.

الملك الأردني عبد الله الثاني يستعد لـ"مواجهة مصيرية" بحسب ما قال لـ"سي أن أن". فالأردن هو المضيف الأول للاجئين الفلسطينيين، وهو الوصي على المسجد الأقصى، وشريك السلطة الفلسطينية في الكثير من الأعباء الناجمة عن المأساة الفلسطينية. أما المذهل أكثر فهو ما رشح عن نيات في نزع الجنسية عن مجموعات من عرب الداخل، وطردهم إلى خارج الخط الأخضر. كل هذا يجري من طرف واحد ومن دون مساومة ومفاوضة. فقط الشعور بالتفوق والقوة، وبرجحان كفة النفوذ، وبتواطؤ الأنظمة المهرولة إلى "سلام من دون أثمان".

الحدث الإسرائيلي هائل ومخيف فعلا، لكن في المقابل، لا يبدو أن أحدا من العرب لديه ما يقوله حول هذا المتغير الكبير الذي حصل في محيطه! هذه الحكومة هي بمثابة الجواب الإسرائيلي على كل ما يجري حول هيدا الكيان. لكن المراقب، ومهما أمعن النظر، فلن يجد أي استعداد سياسي عربي للتعامل مع هذا المتغير. كأن شيئا لم يحدث. لا بل يمكن للمرء أن يلاحظ ترحيبا ضمنيا خليجيا بعودة نتانياهو، وبن غفير نفسه تلقى دعوة لاحتفال بالسفارة الإماراتية في تل أبيب. وهنا على المرء أن يستعيد حقيقة أن اليمين الإسرائيلي لطالما نجح في مخاطبة أنظمة الاستبداد العربي وفي طمأنتها، أكثر من الوسط واليسار، وهو سعى لاستثمار هذه الطمأنينة في مزيد من التغول على الحقوق الفلسطينية.

ما يسمى بـ"دول الطوق"، أي الأردن ومصر من جهة، ولبنان وسوريا من جهة ثانية، فالحال ليس من بعضه. عمان خائفة طبعا من استيقاظ صفقة القرن ومشاريع الوطن البديل، وطبعا، تخوض معركة الوصاية على المسجد الأقصى، ومصر غارقة بأزمتها الاقتصادية الداخلية. أما لبنان وسوريا، فإيران التي تملك النفوذ الأكبر فيهما، تناسبها حكومة من هذا النوع في إسرائيل، فهي تتولى شد العصب حول نفوذها، في وقت أنجز الاتفاق الحدودي مع لبنان مهمته، والغارات الإسرائيلية على سوريا صارت جزءا من ستاتيكو النفوذ الإيراني، ولا تهدد بتغيير المعادلة. 

يبقى الفلسطينيون... السلطة في أسوأ أوضاعها. انقسام وفساد وتخل عربي ودولي عنها.

والترجيحات في ظل سلطة الصهيونية الدينية وتوسع مشاريع الاستيطان هي مواجهة عسكرية غير متكافئة مع مجموعات سوف تولد من خارج الاستقطاب بين فتح وحماس. أما الخيار السياسي المتاح، فهو أن تعلن السلطة الوطنية الفلسطينية حل نفسها، وأن تضع المحتل أمام مسؤولياته الحياتية والأمنية.  

مسار طويل أفضى إلى هذا المصير في إسرائيل. اليمين الإسرائيلي ومنذ وصوله إلى الحكم في زمن مناحيم بيغن بدأ بتقديم الهدايا للأحزاب الدينية. وزارة التربية وإدارة الاستيطان، والإعفاء من الخدمة العسكرية، إلى أن تمكنت الأحزاب الدينية من مد نفوذ كبير أطاح باليسار، إلا أنه غير من طبيعة الدولة والمجتمع.  

الخطر اليوم بالدرجة الأولى على الفلسطينيين، سواء داخل الخط الأخضر أم خارجه، لكن ما لا يقل أهمية هو أن إسرائيل أخرى ولدت، وهي ليست امتدادا لتلك التي أسسها بن غوريون، وبهذا المعنى فإن شروط المواجهة صارت مختلفة.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.