القرآن الكريم لم يذكر ولولمرة واحدة بأن الصلوات خمس
القرآن الكريم لم يذكر ولولمرة واحدة بأن الصلوات خمس

يؤمن الكثيرون بأن أداء الصلوات الخمس هو أهم شيء في الدين. وهذا بناء على الحديث "الصلاة عماد الدين من أقامها أقام الدين ومن هدمها هدم الدين". ووصل بفقهاء الدين أن أحلّوا قتل تارك الصلوات الخمس أو منكرها بناء على هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي تقول بقتل المرتد وذبح تارك الصلاة. 

ومن الملاحظات التي رأيناها في العقود السابقة في العالم العربي والإسلامي هو الاهتمام الشديد بأداء الصلوات الخمس، لأنها كما يقولون هي "عماد الدين". وبالرغم من ذلك فلم نشهد بالتوازي ارتقاء في المعاملات الإنسانية بين الناس وبعضهم البعض. 

والآن تعالوا معاً نرى ما يقوله بعض علماء الحديث المرموقين مثل الألباني والسيوطي عن حديث "الصلاة عماد الدين". 

أخرج ابن حجر العسقلاني في كتاب الكافي الشاف عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنّ النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الصَّلاةُ عمادَ الدِّينِ)، والحديث ضعّفه الألباني في ضعيف الجامع، وضعّفه السيوطي أيضًا في الجامع الصغير،وقال السّخاوي في المقاصد الحسنة إن إسناده ضعيف.

أي بمعنى آخر فإن الحديث موضوع المناقشة وهو "الصلاة عماد الدين" ليس حديثاً صحيحاً عند علماء الحديث أنفسهم.

والمشكلة لا تكمن أن تكون الصلاة هي عماد الدين من عدمه، بل تكمن أساساً  في إعلاء أداء حركي على المبادئ الإنسانية المتوفرة في القرآن، مثل الرحمة والمغفرة والتواضع والأمانة و العفو وعدم الحكم على الآخرين وغيرها من المبادئ القرآنية التي ذكرها الرحمن في كتابه الكريم.

وقد تكون الصلاة هي فعلاً وحقاً عماد الدين إذا فُهِمت بأنها تواجد صلة بين الإنسان أو العبد وربه تجعله يتصف بالصفات القرآنية السالف ذكرها.

ومن الحقائق القرآنية الهام ذكرها في هذا السياق هو أن القرآن الكريم لم يذكر، ولو لمرة واحدة، بأن الصلوات خمس!  بل الحقيقة الساطعة أن القرآن ذكر بوضوح ما يلي في مواقيت الصلاة "وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ" (سورة هود آية 114).

وذكر أيضاً "أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا" (سورة الإسراء آية 78).

وهنا يأتي السؤال: ما هو عماد الدين إذاً إذا لم يذكر لنا القرآن عدد ركعاتها أو كيفية أدائها بالتفصيل؟

وببحث قرآني بسيط يتضح لنا أن كلمة "الرحمة" ومشتقاتها اللغوية مثل "الرحمن" و"الرحيم" هي أكثر كلمة ترددت في كتاب الله وهي الصفة الوحيدة التي "كتبها" الله على نفسه "كتب ربكم على نفسه الرحمة".

وهي الصفة الربانية التي جعلها الله ضرورة حتمية لدخول جنات عدن "فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ… فَكُّ رَقَبَةٍ… أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ… يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ… أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ… ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ… أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ" (سورة البلد 11 ـ 18)، فكما نرى جلياً في هذه الآية فإن الاتصاف بالرحمة جعلها القرآن شرطاً لدخول الجنة.

والرحمة تكون في كلمة أو بسمة أو لمسة لإنسان يحتاجها أو حضن في لحظة ضيق وألم أو عطاء في لحظة احتياج أو دمعة في لحظة مشاركة إنسانية. ومهما التزم الإنسان بأداء حركي للعبادات فإن كلها قد تذهب سدى إن لم يتصف كما قال القرآن بالرحمة!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.