مشهد من مسلسل مو
مشهد من مسلسل مو

منذ نحو أربعة عقود خلت، والإنتاج العربي يفيض بالبرامج الدرامية التي ينتظرها الجمهور العربي بشغف وبخاصة في الموسم الرمضاني. بدورها تلقى نخبة من هذه الإنتاجات إقبالا كبيراً من الجاليات العربية في دول المهجر عبر العالم وبشكل خاص الدراما الاجتماعية، لما تشكله لهم من تواصل وجداني مع أحوال الوطن وتفاعل مع لغتهم الأم، وساهمت المنصات الرقمية العالمية الحديثة في السنوات الأخيرة في تيسير مشاهدتها بسهولة.  

اعتادت كل تلك الإنتاجات الدرامية بتنوع أنواعها تسليط  الضوء على قصص تجري أحداثها في العالم العربي وتصور في واحدة من مدنه أو أكثر. لكننا في السنوات الأخيرة، بتنا نشهد إنتاج دراما عربية أو مشتركة لقصص تحدث في دول المهجر وتصور فيها، وتتناول قضايا تتعلق بالجاليات العربية المهاجرة وأيضاً بعض قصص اللجوء الحديثة. وهي دراما يمكن وصفها بالتفاعل الإيجابي البناء الذي يساهم بشكل معاكس في تعريف المشاهد في البلدان العربية على كثير من تفاصيل حياة المهاجر أو اللاجئ والثقافة المجتمعية للأمكنة التي يقيم فيها.  

وبطبيعة الحال، فإن القصص التي تركز عليها الدراما العربية  المنتجة في المهجر، لأتخرج عن إطار الخطوط العامة التي يتحدث عنها الإعلام العربي والعالمي، أو تتناقل شفاهة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكنها ستغدو عبر ما توفره تقنيات الدراما من مؤثرات أكثر نفاذاً في المشاعر، مثل قصص معاناة الاغتراب واللجوء والتحديات التي يواجهها الأفراد، أو قصص النجاح المبهرة، أو تتناول محتوى يتعلق بالإسلام فوبيا وارتباطه بموضوعة "الإرهاب"، أو تناقش موضوع الهويات والثقافات المختلفة من حيث اندماجها أو تصادمها.  

معظم هذه المواضيع آنفة الذكر اجتمعت معاً لكن بنسب متفاوتة في أحدث الإنتاجات الأميركية- العربية التي تم تصويرها في مدينة هيوستن في الولايات المتحدة الأميركية، وهو مسلسل درامي كوميدي بثمان حلقات تم بثه على   NETFLIX شهر أغسطس الفائت وحمل اسم (Mo) من بطولة النجمين محمد عامر وفرح بسيسو، وقوبل بإيجابية واستحسان كبيرين من قبل الإعلام الغربي، فيما لاقى بعض الغضب والاستهجان  من  قبل عدد من رواد مواقع التواصل العربي بوصفه يحتوي على بعض المشاهد التي اعتبرت "ساخنة" وتتنافى مع القيم التربوية والعادات العربية.

وفي الواقع، باتت مثل هذه الإشكالية اعتيادية وتثار باستمرار، حيث يطالب المهاجر أو اللاجئ التشدد في المحافظة على الهوية والثقافة التي يحملهما معه، وهو أمر جوهري وحيوي لأخلاف بشأنه، لكن هذه المطالبة المتشددة تجانب الموضوعية في بعض الأحيان، ولا تأخذ بعين الاعتبار الاختلاف في رؤى الأجيال. إذ إن ما يتشبث به الجيل المهاجر الأول، قد لابيدو شديد الاعتبار برؤية الجيل الثاني أو الثالث، بوصفهما باتا أبناء مجتمعهما الجديد الذي كبرا به وتعلما واندمجا فيه لغوياً وسلوكياً وثقافياً، وستنسحب مثل هذه الإشكالية على مجتمعه الجديد الذي يطالبه بالاندماج التام بوصفه يعامل كواحد من أبناء هذا المجتمع ويتمتع بحقوق أفراده وواجباتهم.  

وبدوره، لم يخرج مسلسل (Mo) عن جوهر الهوية والعادات والتقاليد، وتمثل الصراع الدرامي فيه بين جيل الأم التي تطالب أبناءها بالتشدد مع مفردات هذه الهوية، مثل رفضها لعلاقة ابنها مع شابة مكسيكية مسيحية، ومنعها لأبنائها من رسم وشومان ، وتساهلها بشأن الوشم الذي رسمه ( سمو ) على ساعده حال اكتشافها أنه حفر باللغة العربية اسم أبيه مصطفى. رغم ذلك، يمكن وصف هذه الدراما بأنها قدمت نصاً سلسلا اِحْتِرَافِيًّا شديد الواقعية، وأظهرت تفاصيل حياة شاب عربي مندمج في مجتمع كبر فيه، ويتفاعل معه بمصداقية، دون تزييف أو مثاليات فاقعة.  

(مو) هو اختصار لاسم اللاجئ الفلسطيني محمد مصطفى نجار، وهو اختصار تعامل به بعض الأسماء العربية مثل اسم جهاد الذي ينادى ب ( جيء ) على سبيل المثال، لما توحي به بعض الأسماء من دلالات تفسر أو ترتبط في الذهنية الغربية بالإسلام فوبيا. وهي واحدة من الإشكاليات التي يعاني منها المهاجر أو اللاجئ في الغرب، طرحها العمل بشكل لمّاح وغير مباشر، دون التشتت عن موضوعة المسلسل وهدفه، والتي تتحدث عن معاناة الحصول على اللجوء في ظل بيروقراطية وقسوة قوانين الهجرة الأميركية وعدم السماح لطالبي اللجوء بالعمل، وما يمكن أن تفضي به مثل هذه العراقيل من تشرذم وضياع مجتمعي إن لم يكن الشاب محصناً بتربية أسرية تحتويه وتحميه.  

القسوة العامة التي يعاني منها اللاجئ الفلسطيني بشكل خاص، تهيمن في خلفية هذه الدراما، دون شعارات سياسية أو عقائدية، وتطرح فيه إنسانياً عبر أفراد أسرة فلسطينية هربت من فلسطين في 1967 باتجاه الكويت، التي عادوا وهربوا منها إلى الولايات المتحدة الأميركية بعد الغزو العراقي للكويت 1990،  وما حفرته رحلات الهروب المستمر هذه من ندبات في الذاكرة، وأيضاً ما تستثيره  من حنين ودوافع للتشبث بالهوية لأجل البقاء، مع ما يمثله رمز زيت الزيتون الذي تقرر الأم صنعه وبيعه في هيوستن، من إسقاط وجداني مؤثر ونبيل.  

دراما (Mo)، بالتقييم النقدي الإيجابي والتفاعل اللافت والمشاهدات العالية التي حظي بها، مسلسل ليس مؤثراً ولماحاً في تقديم محتواه فقط، بل أيضاً إنتاج هام يضاف إلى الذاكرة التوثيقية الخاصة بالمهاجرين بشكل عام، واللاجئ الفلسطيني بشكل خاص. وهو إنتاج حيوي من المهم استمراره، وبخاصة مع ارتفاع عدد المهاجرين واللاجئين المستمر، وضرورة متابعة هذه التنقلات الوجودية للأفراد، ومدى انعكاس حياة المهجر عليهم، والأثر الذي يمكن أن يتركوه أو يساهموا به في تلك البلدان المضيفة التي تتحول إلى أوطانهم الجديدة، إن، منحتهم الأمان والاستقرار المطلوبين.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.