طالبان تحظر التعليم الجامعي للفتيات. أرشيفية
طالبان فرضت عددا كبيرا من القيود على النساء

نتيجة لاستخدامها القضايا والشعارات الدينية لخدمة مصالحها السياسية الخاصة، تقع جماعة الإخوان المسلمين والهيئات الفكرية التابعة لها في فخ اتخاذ مواقف متناقضة ومزدوجة من القضية الواحدة، وهو الأمر الذي ظل مصاحباً لسلوك الجماعة منذ مرحلة التأسيس وحتى اليوم.

وتمثل قضية "المرأة" إحدى القضايا الإشكالية في مواقف الجماعة، ذلك أن المرشد المؤسس، حسن البنا، كان قد عبَّر عن الموقف المبدئي للإخوان تجاه حقوقها في العمل والانتخاب بالقول: ( ما يريده دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة مردودٌ عليهم بأنَّ الرجال، وهم أكمل عقلاً من النساء، لم يحسنوا أداء هذا الحق، فكيف بالنساء وهنَّ ناقصات عقل ودين). 

وإذ يقول المدافعون عن حديث البنا أن السياق التاريخي والاجتماعي الذي أنتج ذلك الموقف قد تغيَّر وأن الجماعة قد طوَّرت رؤيتها لقضية المرأة بحيث صارت تؤمن بحقها في العمل والانتخاب وغير ذلك من الحقوق، فإن هناك العديد من الشواهد التي تبرهن على أن الموقف الأصيل للجماعة مازال يستخدم تلك القضية بشكل ذرائعي وليس بصورة مبدئية.

وتتضح عدم مبدئية الجماعة في التعامل مع قضية المرأة، من خلال الموقف المزدوج الذي اتخذه "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" من قرار المحكمة الأوروبية بشأن حظر ارتداء المرأة المسلمة للحجاب في العمل، والقرارات التي أصدرتها حركة طالبان الأفغانية بمنع تعليم النساء وحرمانهن من العمل في المنظمات غير الحكومية.

ويعتبر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أسسه الراحل الدكتور يوسف القرضاوي في عام 2004 بالعاصمة القطرية، الدوحة، أكبر هيئة فكرية معبِّرة عن مواقف التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين. 

في الخامس عشر من أكتوبر الماضي أصدر الاتحاد بياناً ممهوراً بتوقيع رئيسه، حبيب سالم السقاف، وأمينه العام، علي القره داغي، اعتبر فيه أن قرار محكمة العدل الأوروبية بحق الشركات في حظر الحجاب الشرعي للمسلمات "منعا وتضييقا للحرية وحقوق المسلمين المواطنين" وطالب المحكمة بمراجعة قرارها.

وقال البيان "إن مثل هذه القرارات غير المبررة، تحت غطاء الحرية التي لا تستعمل إلا ضد الإسلام والمسلمين فقط، هي التي تصنع الإرهاب والعنصرية الدينية، وتحول دون التعايش السلمي القائم على احترام جميع الأديان وخصوصياتها".

كما أكد البيان موقف الاتحاد الداعم "للانسجام الإيجابي والاندماج الطوعي في ظل الحقوق المتساوية, والتعايش وبناء المجتمع المتكافئ المتكافل"، مشيرا إلى أن "ذلك لن يتحقق بالإكراه والتهميش والتضييق على حريات الآخرين وحقوقهم، وإنما يتحقق بالعدالة والمساواة والحريات المسؤولة وتوفير المساواة للجميع دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين".

وأوضح البيان أن مثل هذه "القرارات المتكررة على الإسلام والتي تؤذي مشاعر مليار و700 مليون مسلم لا تتناسب إلا مع فكر القرون الوسطى الذي دفع بأوربا إلى حرب دينية".

وهكذا فإن الاتحاد يرى في قرار محكمة العدل الأوربية بحق الشركات في حظر ارتداء الحجاب أثناء العمل تهديداً للتعايش السلمي وخرقا للقاعدة الذهبية للمواطنة المتساوية التي ترفض التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو العرق، فضلا عن أن القرار لا يتماشى مع روح العصر الذي نعيشه بل يتناسب مع فكر القرون الوسطى.

ومن ناحية أخرى، فمن المعلوم أن حركة طالبان الأفغانية، ومنذ عودتها للسلطة في أغسطس 2021، قد اتخذت العديد من القرارات التي تقيِّد وتنتقص من حرية و حقوق المرأة الأفغانية، حيث منعت تعليم البنات في المرحلة الثانوية منذ 23 مارس 2022.

وفي 20 ديسمبر الماضي، أعلنت حكومة طالبان أن الجامعات الأفغانية باتت محظورة على الفتيات لأجل غير مسمى، وكانت الحكومة قد منعت النساء من ارتياد المتنزهات والحدائق وصالات الرياضة والمسابح العامة في نوفمبر، كما منعتهن من ممارسة العديد من الوظائف الحكومية ومن السفر دون مُحرِم وكذلك إلزامهن بارتداء البرقع.

وبعد أربعة أيام من صدور قرار من الطالبات من الدراسة الجامعية أصدرت حكومة طالبان قرارا يمنع النساء من العمل في المنظمات غير الحكومية بحجة أن النساء العملات في تلك المنظمات كنّ ينتهكن تعاليم الشريعة الإسلامية من خلال الامتناع عن لبس الحجاب.

وتمثلت المفارقة المدهشة في هذا الخصوص في أن اتحاد علماء المسلمين لم ينبس ببنت شفة، وصمت صمت أهل القبور تجاه هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق المرأة الأفغانية، فلم نر له بيانا أو تصريحا يُدين قرارات طالبان ويصفها بأنها "تتناسب مع فكر القرون الوسطى" أو يقول أنها تخالف حقوق المواطنة بشكل خطير!

إن الصمت المريب للاتحاد (الهيئة الفكرية الأهم للإخوان المسلمين) عن انتهاكات حركة طالبان لحقوق المرأة الأفغانية يوضح بجلاء أن الجماعة ماتزال مستمرة في استخدام الدين من أجل خدمة المصالح السياسية وهى في هذه الحالة تتمثل في محاولة تصوير الجماعة وكأنها الحارس الأمين لحقوق المسلمين في الغرب، وإلا فما هو تفسير إدانتها لقرار المحكمة الأوربية وفي نفس الوقت تجاهل خروقات طالبان التي تفوق بكثير قرار منع لبس الحجاب في العمل؟

ومن جانب آخر، قد يجد هذا الصمت تفسيره في حقيقة أفكار الجماعة التي عبر عنها المرشد المؤسس بقوله إن "النساء ناقصات عقل ودين" وبالتالي يجب عليهن أن يلزمن بيوتهن وهو ما يعني أن الذراع الفكري الأهم لدى الإخوان يجيز الأفعال التي تقوم بها طالبان لأنها تتوافق مع مباديء الجماعة التي أرساها حسن البنا !؟ 

لا شك أن قرارات حكومة طالبان تعكس مدى الاغتراب الزماني للحركة التي تتبنى فكرا ظلاميا متشددا لا يؤمن بكرامة المرأة وحقها في التعليم والعمل والترفيه والرياضة، وهو أمر يستوجب الشجب والإدانة الصريحة، ذلك أنه فكر بعيد عن روح العصر الذي اقتحمت فيه المرأة كل مجالات الحياة ونالت حقوقا غير مسبوقة. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.