الشعراوي
الحديث عن عمل مسرحي يجسد سيرة الشعراوي أثار جدلا في مصر.

قامت الدنيا ولم تقعد بعد أن تم انتقد إعلاميون وفنانون مصريون الشيخ محمد متولي الشعراوي على خلفية إعلان عن التحضير لعمل أمسية مسرحية عن سيرته في رمضان المقبل. 

وقاد النقد في البداية الإعلامية الرائعة عزة مصطفى التي وجهت، خلال برنامجها "صالة التحرير" على فضائية "صدى البلد"، رسالة لإيهاب فهمي، مدير فرقة المسرح القومي، الذي كان قد أعلن عن العمل الفني المسرحي.

كما تناول الكاتب خالد منتصر والسيدة فريدة الشوباشي والناقد الفني طارق الشناوي أفكار الشيخ الشعراوي بالنقد، في حين تقدمت النائبة المصرية فريدة الشوباشي، بطلب إحاطة لرئيس مجلس الوزراء، مصطفي مدبولي، ووزيرة الثقافة نيفين الكيلاني. 

وعلى الفور، سارع شيوخ الأزهر "الأشاوس" للدفاع عن شيخهم "الجليل" دون التطرق ولو لمرة واحدة إلى أي نقطة من نقاط النقد. وهو أسلوب العاجزين فلو كانوا قادرين حقا على الرد المقنع على ما تم نقده من أفكار الشعراوي، لأقدموا على ذلك، لنا بدلاً من دفاعهم المستميت عنه دون التطرق ولو لواحدة من هذه النقاط.    

فعلى سبيل المثال، قال وكيل الأزهر، عباس شومان، على فيسبوك ردا على من انتقدوا الشعراوي: "مثلهم كأطفال أرادوا إتلاف ثمار نخلة عالية فسقطت أحجارهم فوق رؤوسهم، وظلت الثمار تعجب الناظرين وخالصة للآكلين". وكما نرى لم يتطرق السيد عباس شومان على الإطلاق إلى نقاط الاعتراض على الشعراوي لأنه ببساطة لا يستطيع الرد عليها أو حتى الدفاع عنها! 

فكيف يدافع هو أو غيره عن شخص يقول إنه فرح لهزيمة بلده في حرب 67 وهو نوع من الخيانة لوطنه.. وكيف يدافع أحد عمن أفتى بحرمة نقل الأعضاء وتسبب بذلك في موت الكثيرين وهي جرائم سيحاسبه الله عليها يوم القيامة..

وكيف يدافع إنسان سوي عمن نصح الناس بترك آبائهم وأمهاتهم الكبار في السن للموت بدون علاج دون رحمة ثم ذهب وهو في شيخوخته للعلاج في الخارج.. ألم يسمع قول الله في سورة المائدة عن النفس البشرية " وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعا"..

وكيف يدافع أحد عمن أفتى بأن فعل أي شيء ترضى عنه "اليهود والنصارى" هو ضد الدين أو بمعنى آخر فإن كنت طبيباً مسلماً ورحمتَ مريضاً مسيحياً وعالجته فإن ذلك، في نظر الشيخ الشعراوي، ضد الدين لأن المريض المسيحي سيرضى بذلك عن الطبيب المسلم الذي يعالجه!

وكيف يدافع أحد عن أفكار الشعراوي الذي حاول أن يشكك كل رجل في بنوة أبنائه إن كانت زوجته غير محجبة. وهذا الاتهام في حد ذاته يوجه لجميع شيوخ الأزهر في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي لأن زوجاتهم لم يكن محجبات! 

ولو كانت الشريعة بمفهومها التقليدي تطبق، لتم جلد الشعراوي بسبب هذا الرأي 80 جلدة لأنه خاض في عرض الكثيرات. فما قاله القرآن فيمن يخوضون في أعراض النساء بدون وجود أربعة شهود على واقعة الزنا هو ما يلي "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " (سورة النور آية) 4. فهل كان ينبغي أن نطبق ما تقوله الشريعة على الشعراوي بعد تشكيكه في شرف الملايين من النساء!

ومن يستطيع أن يدافع عنه وهو الذي أجاز للزوج أن يجامع الخادمة في المنزل وذلك حتى –كما قال- "لما سيدها يضاجعها لا تجد لربة البيت مزية عليها". فهل ترضى أي امرأة وزوجة محترمة بذلك! 

ومن يستطيع أن يدافع عن الشعراوي الذي حرم فوائد البنوك ليصبح الشعب المصري والسلطة تحت رحمة شركات توظيف الأموال الإسلامية!

ومن يستطيع أن يدافع عن تحريمه للسياحة ورفض أموالها مما تسبب في النهاية في إضعاف اقتصاد الدولة المصرية وانتشار الفقر بين الكثيرين بالرغم من أنهم كانوا يستطيعون العيش في رغد إن انتشرت السياحة بالشكل المطلوب في ربوع بلادهم!  

وأسأل نفسي إن لم تكن أفكار الشعراوي المذكورة أعلاه في هذا المقال - والتي يستطيع الجميع أن يتحققوا منها بسهولة على الإنترنت - تطرفاً فما التطرف إذاً!

وأخيراً جاء الوقت ليحدد من يدافع عن الشعراوي دفاعاً أعمى موقفه الحقيقي من هذه الفتاوى والأفكار والمواقف.. فهل الفرح لهزيمة الوطن وترك كبار السن دون علاج حتى الموت والخوض في أعراض ملايين النساء والزوجات واتهامهن في شرفهن وإصدار فتاوى تضر باقتصاد وطنه - هو شيء مقبول عندهم أم لا.

فالهجوم بشراسة على من انتقد الشعراوي مؤخراً ليس رداً على النقاط المذكورة سابقاً على الإطلاق! وهو في حقيقة الأمر دليل على عجزهم عن الرد! وأنا من هذا المنبر أدعو من يدافع عن الشعراوي للرد بوضوح على موقفه من المواقف والأفكار والفتاوى السابق ذكرها بدلاً من هجومهم الأعمى على كل من ينتقد شيخهم "الجليل". 

وللحديث بقية!   

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.