تزويد إيران لروسيا بمسيرات يثير غضب أوكرانيا.
تزويد إيران لروسيا بمسيرات يثير غضب أوكرانيا.

بدأ المسؤولون الإيرانيّون يتلمّسون أنّ نفوذ دولتهم الإقليمي والدولي آخذ في التراجع، في وقت يتقدّم موقع الدول "المنافسة" على الرّقعة الإستراتيجيّة.

ووفق المحللين الإيرانيّين، فإنّ "تقهقر" النفوذ الإيراني يعود الى أخطاء استراتيجيّة ارتكبها النظام، عندما سلّم ناصية القرار إلى المتشدّدين الذين استبدلوا الشعارات العقيمة بالدبلوماسية "المحنّكة"، وتغاضوا عن الحكمة في التعاطي مع إرادة الشعب الإيراني الذي يرهقه الفقر والحرمان والفساد والتلوّث وقمع الحريات، وعجزوا عن فهم ديناميّة الدول الغربية بحيث اعتبروا أنّ الحاجة إلى النفط عمومًا والغاز خصوصًا، بعد "القطيعة" مع روسيا، ستجعل حكوماتها "تستسلم" للإرادة الإيرانيّة، سواء في مندرجات إحياء الاتفاق النووي، أو في الرغبة بالهيمنة على منطقة الشرق الأوسط.

ولكنّ الحسابات الإيرانيّة خابت، وأدى تقهقر النظام، داخليًّا وخارجيًّا، ليس إلى ابتعاد الخصوم فحسب، بل أيضًا إلى برودة "الحلفاء" الذين راحوا يفتشون عن بدائل ثابتة ومصداقة، كحال الصين مع مجلس التعاون الخليجي عمومًا والمملكة العربيّة السعوديّة، خصوصًا.

ولولا رغبة النظام الإيراني في "بثّ الأمل" بمستقبل أفضل للشعب الإيراني الغاضب هنا والثائر هناك، لكان العالم قد نسي أنّ هناك ملفًا نوويًّا، يجب أن يعالج دبلوماسيًّا.

وكما في الملف النووي كذلك الحال في ملف الحوار مع المملكة العربية السعودية، إذ إنّه في وقت لا يتوقف المسؤولون الإيرانيّون عن الحديث عن موافقة السعوديّة على معاودة الحوار الذي كان قد توقف، لم تصدر عن المسؤولين السعوديّين أيّ كلمة بهذا الصدد، الأمر الذي يؤشّر إلى عدم رهان الرياض على تغيير يمكن أن يحصل في "عقلية" طهران.

وفي سوريا، لا تتورّع إسرائيل عن توجيه ضربات موجعة إلى المصالح العسكريّة الإيرانية، في وقت وصلت فيه سمعة الميليشيات الإيرانيّة إلى الحضيض، بعدما كشف كبار المسؤولين الأردنيّين أدوارها في تنظيم وقيادة عمليات تهريب المخدرات عبر حدودها.

وبدل أن تدافع موسكو التي تبرم اتفاقيات عسكرية مع طهران عن المراكز الإيرانية في سوريا، تنشط دبلوماسيّتها لإضعاف النفوذ الإيراني على النظام، من خلال فتح قنوات تفاوضية مع تركيا من جهة، ومن خلال تكثيف دولة الإمارات العربية المتحدة محاولات رأب الصدع بين النظام السوري ومجلس التعاون الخليجي، من جهة أخرى.

وفي الملف الفلسطيني نفسه، تراجع النفوذ الإيراني لمصلحة تركيا وقطر ومصر، بحيث أصبحت لهذه الدول "التهدوية" كلمتها المؤثرة جدًّا في "حركة حماس".

وفي الملف الإسرائيلي، فقدت إيران نهائيًّا قدرة التأثير على المجتمعات العربية والإسلامية، بحيث تعزّز "اتفاقيات إبراهيم" نفسها، وهناك مساع لتوسيع دائرتها لتشمل دولًا أخرى، في مقدمها المملكة العربية السعودية، بعدما تعززت العلاقة الإسرائيلية مع أذربيجان "الشيعيّة" التي ليس لديها حدود مشتركة مع إيران فحسب، بل لها نفوذها داخل المكوّنات الشعبية في إيران، أيضًا.

وفي الملف العراقي، كان يفترض أن يفشل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع إيصال الفصائل الموالية لإيران محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة، في عقد مؤتمر "بغداد 2" في الأردن، ولكنّ التقهقر الإيرانيّ جعل ما بدا له مستحيلًا، ممكنًا، إذ سرعان ما وافق السوداني ليس على الحضور فحسب، بل أيضًا على دعوة ماكرون إلى وجوب أن يتحرّر العراق من الهيمنة الإيرانيّة، إذ قال السوداني، في وقت لاحق، إنّ "العراق ينأى بنفسه عن الصراعات الإقليمية والدولية، ويؤدي دوره المهم في السعي لحلها، كما أن العراق يقف على مسافة واحدة بين أشقائه وجيرانه وأصدقائه".

وكانت فرنسا أكثر دول العالم حماسة لإقامة علاقات قوية مع إيران، ولكنّها، في ضوء الضغوط المجتمعيّة، اضطرت أن تتّخذ مواقف "قوية نسبيًّا" لمصلحة الثورة التي قادتها نساء إيران، منذ السادس عشر من سبتمبر الماضي، بعد قتل "شرطة الأخلاق" الشابة مهسا أميني.

وقد أثار استقبال ماكرون لثلاث ناشطات في الثورة غضب النظام الإيراني.

ولم تكد الدبلوماسيّة تنجح في التخفيف من حدّة الخلاف الفرنسي-الإيراني المستجد، حتى دخلت مجلة "شارلي إيبدو" الساخرة على الخط، بنشرها عشرات رسوم الكاريكاتور التي تناولت مباشرة مرشد "الجمهورية الإسلامية" علي خامنئي.

وفيما حاولت طهران تحميل باريس المسؤوليّة، وبدأت بالتضييق على ما بقي من مصالحها في إيران، كإقفال المركز الثقافي الفرنسي في طهران، ردّت باريس، من خلال وزير خارجيتها، كاترين كولونا، بعنف على المسؤولين الإيرانيّين، مؤكدة على موقفها المدافع عن حرية الصحافة وحق التجديف في البلاد.

وكان لافتًا للانتباه أنّ افتتاحيّة مجلة "شارلي ايبدو" قد كشفت أنّ النظام الإيراني نفسه سبق أن ألهمها نشر رسوم كاريكاتوريّة "ساخرة" من اعتقادات الأصوليّين الإسلاميّين بداية ومن خامنئي لاحقًا.  وفي هذا السياق، كتبت الآتي: في العام 1993، أطلقت طهران مسابقة رسوم كاريكاتورية طلبت فيها من الفنانين رسم مؤلف "آيات شيطانية" من أجل "تصوير المؤامرة الحقيقية التي تختبئ وراء الرواية المجدّفة" التي كتبها سلمان رشدي. وكان مقررًا أن يحصل الفائز على 160 قطعة نقدية ذهبية. ردًا على ذلك، نشرت "شارلي إيبدو" حوالي 20 رسماً كاريكاتوريًا ساخرًا من جمهورية إيران الإسلامية. في النهاية، لولا هذه المنافسة التي أطلقها آيات الله الإيرانيون الذين أرادوا السخرية من رشدي، ربما لم تكن لتخطر لنا أبداً بعد 13 عاماً فكرة نشر رسوم كاريكاتورية عن محمد أو رسوم عن المرشد الإيراني الحالي. على الأقل، ولهذا السبب وحده، يمكننا أن نقول لهم شكرًا.

في خلاصة الأمر، لم يسبق لإيران أن وصلت إلى هذا المستوى من التقهقر، منذ نشوء الجمهورية الإسلامية، فهي تعاني الأمرّين في الداخل والخارج، ولم يبقَ لديها ما تقدّمه، في حال ثابرت على نهجها، سوى التهديدات التي توحّد أعداءها مع خصومها والشّعارات التي لم تعد تطرب أحدًا!

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.