مقاتلون في الحشد الشعبي العراقي يقفون إلى جانب جدار يحمل علم تنظيم "داعش" بعد دحره في الأنبار عام 2017
مقاتلون في الحشد الشعبي العراقي يقفون إلى جانب جدار يحمل علم تنظيم "داعش" بعد دحره في الأنبار عام 2017

في 22 مارس 2019، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هزيمة تنظيم داعش والقضاء على ما كان يسمى بـ "دولة الخلافة الإسلامية" في العراق وسوريا.

وكان ذلك كما هو معروف نتيجة عمل عسكري واستخباراتي طويل وشاق، استمر سنوات وشاركت فيه القوات العراقية وقوات سوريا الديمقراطية والجيش الأميركي وباقي دول التحالف.

لكن من الواضح أنه رغم تلك الهزيمة وطرد داعش من الأراضي التي كان يسيطر عليها وقتل الآلاف من عناصره ووضع الباقين في السجون والمخيمات، بما في ذلك نساء مسلحيه وأطفالهم، مع ذلك يبدو أن داعش قد بدأ يعود للنشاط في الآونة الأخيرة وبدأ في تنظيم صفوفه من جديد وبصورة أثارت القلق لدى عواصم المنطقة وكذلك العواصم الغربية.

ففي العام الماضي أخذ إيقاع الهجمات التي يشنها مسلحو التنظيم يتزايد، وفي شهر ديسمبر الماضي وحده، قام مسلحو داعش بشن عشرات الهجمات الدموية التي استهدفت مناطق في محافظتي ديالى وكركوك في الشمال الشرقي من العراق وفي سوريا شملت مناطق بادية حمص والسويداء وحماة والرقة ودير الزور وحلب.

وهي هجمات كما هو واضح تغطي مساحة شاسعة من الأراضي، الأمر الذي يعني أن من تبقى من عناصر داعش وخلاياه حافظت على وجودها في البلدين (وإن باختلاف) وأنها تتمتع بملاذات آمنة وتحصل على التمويل وقادرة على الحركة والنشاط بحرية نسبية.

صحيح أن الأجهزة الأمنية وأجهزة مكافحة الإرهاب، وخاصة الأميركية، باتت متقدمة على داعش بدليل القضاء على قيادته أولا بأول وبصورة ضيقت الفجوة ما بين الإعلان عن تعيين أمير جديد للتنظيم والوصول إليه وتصفيته.

لكن الصحيح أيضا أن الحضور المسلح المتزايد والجريء لداعش وقدرة عناصره على الإعداد والتنظيم وشن الهجمات يعني أننا إزاء مرحلة جديدة وربما مختلفة من نشاطه.

ويطرح مصير مخيم الهول الواقع في أقصى جنوب شرقي الحسكة السورية والذي يحوي أكثر من 53 ألف من أفراد داعش وعائلاتهم معضلة كبيرة في هذا الخصوص. وبحسب أرقام المرصد السوري لحقوق الإنسان يضم المخيم حوالي 27 ألف عراقي و18 ألف سوري وحوالي ثمانية آلاف من جنسيات أوروبية وآسيوية وأفريقية.

ومن ضمن العدد الإجمالي لقاطني المخيم هناك أكثر من 33 ألف طفل لم يبلغ سن الثامنة عشر. ومن بين هؤلاء من كانوا يسمون بـ "أشبال الخلافة".

الواقع أن هؤلاء، أو جزءا كبيرا منهم، يمكن في أة لحظة أن يجدوا أنفسهم خارج المخيم وربما قد يشكلون الجسم الرئيسي لتنظيم داعش أو أي تنظيم إرهابي يخلفه.

لذلك يظل السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي يجعل عودة داعش ممكنة رغم هزيمته وطرده من المناطق التي كان يسيطر عليها ورغم الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها ورغم كذب نبوءاته وانفضاح أمره والدجل والشعوذة التي مارسها؟

للإجابة على هذا السؤال، من المهم أن نوضح في البداية أن أي تنظيم مثل داعش كي يتمكن من البقاء والنشاط، هو بحاجة إلى أمرين أساسيين ينبغي التركيز عليهما دائما. الأول هو التمويل والثاني هو الحاضنة الاجتماعية. والتمويل إما يكون مباشرا أو غير مباشر.

التمويل المباشر هو الذي يأتي إما من الخارج من الدول أو الجهات الداعمة للتنظيم وخاصة عبر الجمعيات والصناديق الخيرية التابعة لها (وهذا يشمل الصرافات وعمليات نقل الأموال أو تحويلها). 

أو قد يأتي التمويل مباشرة من أفراد التنظيم أنفسهم إما على هيئة اشتراكات أو تبرعات أو ما شابه. ويمكن كذلك أن يأتي من النشاطات التي يقوم بها التنظيم مثل فرض الإتاوات والحصول على الفدى من أعمال الخطف أو مهاجمة المنشآت والاستيلاء على الأموال أو ما يسميها هو بـ "الغزوات"، ولكن ذلك يأتي في مرحلة لاحقة مع تمكن التنظيم من السيطرة على الأراضي أو المناطق.

أما التمويل غير المباشر فهو الذي تقوم به حكومات الدول المجاورة أو التي تقع فيها المناطق التي ينشط فيها مسلحو داعش ويتم عبر السماح للتنظيم باستخدام شبكات التجارة والمواصلات وبيع المواد التي يستولي عليها بما في ذلك موارد الطاقة مثل البترول والمعادن الثمينة مثل الذهب والفضة وما شابه.

أما الحاضنة الاجتماعية فهي تعني المساعدة التي يتلقاها عناصر التنظيم من المجتمعات المحلية، مثل سكان المناطق أو العشائر والعوائل التي تقوم بحمايتهم وهذه تشمل رفد التنظيم بالمسلحين والسماح لعناصره بالتواجد والاختباء في هذه المناطق وكذلك تقديم الدعم اللوجستي والمعنوي لهم.

والحال أن أي جهد جاد للقضاء على تنظيم داعش وهو في هذه المرحلة لا بد أن يتم أساسا عبر تجفيف مصادر التمويل والقضاء على الحاضنة الاجتماعية له. في حين أن العمل العسكري وحده لن يتمكن من إنجاز هذه المهمة.

أما لماذا عودة داعش تظل ممكنة؟ فالإجابة هي بسبب حالة شبه الانهيار للدولة في سوريا وإلى حد ما في العراق وإلى حد ما أيضا في عموم المنطقة، ولأن نسبة معتبرة من المجتمعات العربية والإسلامية، للأسف، لا تزال تؤمن باستعادة دولة الخلافة والاختلاف مع داعش هنا في التفاصيل وليس في الجوهر.

وبالتالي لا يعدم مسلحو داعش من يمدهم بالمال والسلاح ومن يوفر لهم الملاذ الآمن. ومن دون ذلك لا يمكن أن يتواجدوا أو يستمروا في نشاطهم.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.