انشقاقات داخل عائلة خامنئي تدعم الاحتجاجات في طهران . أرشيفية
مساندة خامنئي للغزو الروسي أثرت على فرص إحياء الاتفاق النووي

الإعلان عن مغادرة جيريت بلانك، مساعد الممثل الخاص للولايات المتحدة لشؤون إيران، الفريق الأميركي في وزارة الخارجية ما هو إلا مؤشر آخر عن القعر الذي وصلت إليه المفاوضات والنتيجة التي باتت شبه حتمية بأن الاتفاق الموقع في 2015 يقترب اليوم من أن يكون في خبر كان والبحث عن البدائل انطلق من أمريكا إلى أوروبا إلى إسرائيل.

مغادرة بلانك المنصب كما أفاد موقع ”أكسيوس "الأربعاء يجعله المسؤول الثالث الذي يترك الفريق بعد آريين طبطاي وريتشارد نيفيو، وهو يطرح أسئلة عن مصير المبعوث روبرت مالي الذي كان يفكر بالمغادرة بحسب مقربين منه الخريف الفائت، ويواجه اليوم إشكاليات مع الكونغرس الجمهوري الذي يهدد باستدعائه لجلسات استماع وطلب رسائله الإلكترونية.

تفكك فريق الخارجية الأميركية حول إيران يؤكد ما كان فتراودان بأن البيت الأبيض هو صانع القرار حول الاتفاق النووي وأن لا الرئيس جوزيف بايدن ولا مستشار الأمن القومي يعطيان أولوية للملف أو يريدان العودة للاتفاق. فمن المنطق السياسي، المفاوضات مع إيران باتت مكلفة شعبيا صورة النظام قبل الاحتجاجات تختلف عما هي اليوم.

ما زاد أزمة الدخول في مفاوضات مع إيران هو قرار المرشد الأعلى علي خامنئي بالدخول وبشكل فاضح في صف فلاديمير بوتين وروسيا في حرب أوكرانيا ومن خلال بيع وتدريب الجيش الروسي طائرات من دون طيار.  

في هذا السياق قال فاديم سكيبيتسكي، مساعد المخابرات العسكرية بالجيش الأوكراني، في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز هذا الأسبوع أن" النظام الإيراني وقع عقدًا مع روسيا لتقديم إجمالي 1750 طائرة مسيرة إلى موسكو.“  وأضاف ”نقدر أن روسيا استخدمت حتى الآن 660 طائرة مسيرة إيرانية من طراز "شاهد" في حرب أوكرانيا وتتلقى 300 طائرة مسيرة أخرى“.

اصطفاف إيران مع روسيا في أوكرانيا له انعكاسات مع المفاوض الأوروبي أيضا وكونها الدولة الوحيدة إلى جانب كوريا الشمالية التي تبيع بوتين السلاح. موقع ”المونيتور“ نقل هذا الأسبوع عن الجانب الأوروبي أن تسليح طهران لموسكو هو مشكلة أكبر من الاتفاق النووي، وأن القوى الغربية بدأت بالنظر في عقوبات لردع إيران في كافة الملفات.

هذه الصورة تعني اليوم أن الاتفاق بصيغته الموقعة من سبع سنوات يقترب من أي يصبح جثة هامدة، فبنوده من حظر تعاملات الأسلحة مع إيران إلى مستويات التخصيب هي فقدت أو على وشك أن تفقد صلاحيتها ما يعني أنه سيكون هناك ضرورة للتفاوض حول اتفاق وبنود جديدة.  

أما المناخ السياسي داخل إيران فهو لا يحبذ فكرة تنازل طهران للغرب. فخلال أسبوع واحد تتصادم القيادة الإيرانية مع فرنسا حول رسم كاريكاتير يسيء لخامنئي، ومع بريطانيا لاستعدادها لإدراج الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية. هذا يضاف إلى الأزمة الإيرانية الداخلية اجتماعيا واقتصاديا، والصراع على خلافة خامنئي. كل هذه العوامل ترجح تريث طهران وإعطاء أولوية لتثبيت وضعها داخليا قبل المقايضة مع الخارج.  

اليوم الاتفاق النووي الموقع مع إيران في 2015 لم يعد حيز التفاوض والتنفيذ، وعلى وقع صفقات الحرس الثوري مع بوتين، وتفكك فريق التفاوض الأميركي فنحن دخلنا فعليا بمرحلة إيجاد بدائل لمنع إيران من تطوير السلاح النووي وزيادة عزلتها دوليا.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.