قوات روسية في أوكرانيا - صورة تعبيرية. أرشيف
قوات روسية في أوكرانيا - صورة تعبيرية. أرشيف

يحفل التاريخ بالحروب التي شنتها البشرية ضد بعضها، لكن الحربين العالميتين في القرن العشرين الفائت تظلا أكثر حربين مدمرتين وماثلتين بقوة في الذاكرة الجمعية لقربهما الزمني وتداعياتهما الممتدة التي غيرت من موازين القوى العالمية، كما أنهما الأكثر استحضاراً وبخاصة في مثل هذه الأوقات التي تشتعل فيها الحرب الروسية على أوكرانيا والتهديدات التي لا تتوقف بامتداد هذه الحرب إلى الدول الأوروبية.

واحدة من السرديات الأدبية الهامة عن الحرب الأولى التي صدرت سنة 1929 وتركت أعظم الأثر كانت (كل شيء هادئ على الجبهة الغربية All Quiet on the Western Front) للألماني، إريك ماريا ريمارك، أحد أهم روائيي عصره، والتي لاقت في حينه رواجاً كبيراً بين جمهوره غير المعافى من آثار تلك الحرب، وهو ما أغضب سلطات بلاده الصاعدة آنذاك في "نازيتها"، واعتبرتها سردية "توهن نفسية الأمة"، فصادرت وأحرقت نسخ الكتاب، وسحبت من الكاتب جنسيته الألمانية، مما دفعه إلى الفرار لسويسرا، ثم أعدمت شقيقته بعد سنوات حين لم تتمكن من استدراجه وإعادته للبلاد.

لم يكن موضوع هذه الرواية فريداً أو استثنائياً في تناوله لسرديات الحرب وويلاتها، إلا أن توقيت صدور العمل في زمن مشحون ومضطرب للغاية وقع بين حربين عالميتين، وأيضاً الرؤية الإنسانية المختلفة التي صيغ بها بحساسية شديدة، منحتا تفرداً وأفقاً خاصين لهذا النص الإبداعي الذي تم سرده بلسان صاحبه الراوي-الجندي، والذي نجا بمصادفات قدرية من موت محقق، لكنه لم ينج أبداً من تداعيات الحرب العنيفة في نفسه.

إذ تمكن بأسلوبية حاذقة ولغة رفيعة من الاحتجاج السياسي غير المباشر ضد الحرب وصنّاعها، وكشف الخديعة التي يمارسها القادة على المجندين لزجهم في محارق الحروب، وتجلت تلك الخديعة في حينه، بجذب القيادة العسكرية لأكبر عدد من طلبة المدارس والجامعات (الشباب الألماني الحديدي) للتطوع في الحرب والتأثير بهم عبر شعارات براقة، وتضليلهم عبر إغوائهم بحلم مدينة باريس التي تنتظرهم بكل ملذاتها الفائضة، وأيضاً الاحتقار الذي يعامل به المجند بوصفه رقماً غير ذي معنى، وإهمال احتياجاته الرئيسة في ميدان الحرب وفي مقدمها الطعام، مما يفضي إلى نتيجة حتمية بأن الجيش الجائع سيهزم آجلا أم عاجلاً.

تلقفت السينما العالمية هذه الرواية المؤثرة بسرعة ملفتة واقتبستها سنة 1930، أي بعد عام واحد فقط من إصدارها، وتحولت على يد المخرج الأميركي من أصل روسي، لويس مايلستون، إلى أحد أكثر الأفلام تأثيراً في تاريخ السينما مع احتفاظها بعنوانها الأصلي. وهو فيلم حصد في العام ذاته أرفع جوائز الأوسكار(أهم فيلم وأفضل مخرج). وتذكر بعض المصادر التاريخية أن رد وزير الدعاية النازية، غوبلز، على الفيلم آنذاك، كان "إصدار أوامره لإفلات الجرذان بين مقاعد المتفرجين في الصالات، وإحراقه لعدد من دور العرض".

وبعد نحو تسعة عقود، تعود ألمانيا لتتقدم بذاتها وتعيد بخطوة تبدو وكأنها "تكريمية وتطهيرية" بوصفها البلد الذي ينتمي إليه مواطنها المؤلف ريمارك، وتطرح سينمائياً اقتباسها الخاص لهذه الرواية عبر الفيلم الذي حمل بدوره العنوان الأصلي لها. وهو فيلم أطلقته NETFLIX نهاية نوفمبر الفائت، ورشح مؤخراً عن بلاده للمشاركة في مسابقة الفيلم الأجنبي في حفل الأوسكار 2023 المقبل.

الاقتباس الألماني الجديد للرواية، يمكن وصفه بالتحفة السينمائية التي نحتت تفاصيلها مثل قطعة مجوهرات ثمينة، وسيبدو أكثر انغماساً في عمق الروح الألمانية وتشبعاً للغة السرد الأدبي التي كتب بها النص الروائي، بحيث فاضت الرؤية العامة بمشهديات ذات حساسية خاصة، تمكنت بعدالة وإنصاف من صنع توازن في الخلفية السياسية غير المباشرة، وأيضاً توازن في التقاط جماليات الحياة وقباحات الحرب المتداخلين ببعضهما كالمشابك، محققة هدفها في تعميق هذه المفارقات الفاقعة التي تؤججها الحروب في نفوس المتحاربين، ما بين الرأفة والقسوة، الحب والكراهية، وخديعة مفهوم العداوة في اللحظات الإنسانية المصيرية المشتركة.

حين صدرت هذه الرواية أول مرة، ومن ثم تلاها الفيلم الأميركي المقتبس عنها، ربما راود أصحابهما حلم وأمنيات بأن أعمالهما يمكن أن تصنع تأثيراً وفارقاً وتوقف عجلة الحروب. لكن شيئاُ من هذا الحلم وتلك الأمنيات لم يتحققا. بل على العكس، ازداد صناع الحروب قسوة وأضرموا نار حرب عالمية ثانية أشد تغولاً بعد نحو عقدين. ومنذ ذلك الوقت، ما زال الأدب يطرح رؤاه الاحتجاجية عبر أعماله ويركز على قباحة الحروب جنباً إلى جنب السينما المؤثرة الخاصة، دون أن تتوقف طموحات صناع الحروب المتوحشة، ودون أن يرفقوا بمصير الجنود وحيواتهم.

في أحد حوارات الفيلم الألماني، يقول أحد القادة من سعاة الهدنة لأجل إيقاف الحرب: "الأمر الوحيد الذي يفصلنا عن وقف إطلاق النار، هو الكبرياء الزائفة". تحيلنا هذه الجملة المؤثرة إلى أقرب مقاربة قاسية يعيشها العالم اليوم، أي الحرب الروسية ضد أوكرانيا، بحيث لايمكن لأي مشاهد لهذا الفيلم بتفاصيله الموجعة، إلا وأن تتحرك مخيلته وتجري إسقاطات على ما يحدث الآن، ومنذ نحو عام، على جبهات هذه الحرب، وأن يتخيل قسوة ومعاناة الجنود وانقطاع الإمدادات والصقيع، في الوقت الذي ما زالت فيه كبرياء صانع الحرب الزائفة، هي التي تكبح وقف إطلاق النار.

(كل شيء هادئ على الجبهة الغربية) عنوان بليغ استعاره الروائي من برقية عسكرية وردت في حينه للقيادة العسكرية الألمانية وحملت الكلمات ذاتها، لكن ليس لأن الهدوء الناجم عن السلام كان يسود على الجبهة الغربية (بين ألمانيا وفرنسا)، بل لأن جميع الجنود من الجانبين كانوا جثثاً هامدة وسط هيمنة متوحشة وهدوء شامل للموت.

لأجل هذه الرسالة، ولأجل كبح تهور البشرية، تبدو إعادة اقتباس هذه الرواية إلى السينما مرة أخرى في مثل هذه الأوقات الحذرة التي تعيشها أوروبا، أشبه بحاسة سادسة، أو توجس، أو ربما نفير تحذيري من احتمالية امتداد الحرب الروسية لتشمل أوروبا، التي تشكل جغرافياً، الجبهة الغربية لروسيا.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.