ملعب البصرة الدولي الذي استضاف حفل افتتاح بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم الخامسة والعشرين
ملعب البصرة الدولي الذي استضاف حفل افتتاح بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم الخامسة والعشرين

كثيراً ما ننتقد أنفسنا كعراقيين، بأننا نفخر بتاريخ بلدنا. لكننا لا نستطيع أن نتحدّث عن حاضرنا بالفخر نفسه. فدائماً ما نستحضر انتماءنا لحضارات بابل وأكد وآشور وأور وسومر وبغداد والبصرة والكوفة حتّى ننتقد تردي واقعنا الراهن. لكنَّ العراقيين وجدوا أنفسَهم، مِن حيث يشعرون أو لا يشعرون، بأنهم يحتفلون بكونهم يمثّلون امتداداً فعلياً لعمقهم الحضاريّ والتاريخيّ في الحفل الافتتاحي لخليجي-25 الذي احتضنه العراق في محافظة البصرة. 

قد يفترض البعض أنَّ العراقيين بالغوا بالتعبير عن البهجة والفرح باحتضان العراق بطولةً تضمّ دولَ الخليج وهي غير معترَف بها دولياً، ولكنَّ المواطن العراقيّ له رأي آخر يبرر تلك الحفاوةَ التي عبّروا عنها بالحضور الجماهيري في ملعب الافتتاح وفي وسائل التواصل الاجتماعي وعبر وسائل الإعلام. أولى المبررات، بهجة العراقيين تعبّر عن فرحتهم باستعادة حضور دولتهم في ذلك المحفل الرياضي. وثانيها، أن تقام بطولة رياضية بمشاركة دول الخليج العربيّ، فهذا يعني عودة العراق إلى أن يكون دولةً فاعلةً ومتفاعلةً مع محيطه العربيّ وعمقه الخليجي. وثالثها، أن احتضان العراق لبطولة رياضية تشترك فيها دول الخليج العربي، يعني البداية لرفع الحظر عن الملاعب العراقية الذي امتدّ إلى أكثر من 32 عاماً. 

ومن حقّ العراقيين أن يعبّروا عن فرحهم الأكبر باستعادة حضور البصرة بهذا الاحتفال الكبير، فالبصرةُ ثغر العراق الذي سُرِقَت منه الابتسامة طوال السنوات الماضية، بسبب فوضى السلاح المنفلت عشائرياً وسياسياً. ومافيات الفساد والتهريب، والصراعات على تقاسم نفط البصرة وموانئها. وبعد أن كانت القنوات الفضائية لا تنقل عن البصرة إلا أخبار الاغتيالات السياسية واغتيال الناشطين والصحفيين، والنزاعات العشائرية المسلّحة، والتكتّم عن الحريات المدنية. ها هي بصرتنا اليوم تعود لِتعلن لِلعالَم بأنّها مدينة تستعيد حضورها في تاريخ العرب والمسلمين، فهي مدينة علم النحو وعلم الكلام والفلسفة والشعر والآداب ومهد أفكار المعتزلة. 

والتعبير الأدقّ لوصف احتفاء العراقيين بإقامة خليجي-25 في أراضيهم، يكمن في رغبتهم باستعادة الدولة التي يُراد سرقتها مِن قوى سلطوية تهيمن على المجال العام في العراق. إذ في 2019 انشغل العراقيون بالجدل بشأن "قدسية" محافظة كربلاء بعد أن نزلت عازفة الكمان لِعزف النشيد الوطني العراقي في حفل افتتاح ملعب كربلاء الدولي! ودخلت على خط السجال قوى وشخصيات سياسية تنتمي إلى حركات وعناوين إسلاموية، أرادت إرسال رسالة بأنَّ مشروعها الذي ينتمي إلى الإسلام السياسي إذا لم تتمكن مِن فرضه بالدستور العراقي، فأنَّ نفوذها السياسي يعطيها الحقّ في أن تفرضه على المجتمع. وعلى عكس تلك الإرادات فرض العراقيون إرادتهم المتمسكة بمظاهر الحياة ورفضهم العيش في ذكريات الموت والأحزان فقط.

تعبير العراقيين عن رغبتهم باستعادة دولتهم بعمقها الحضاري وكونها نقطة التقاء بين دول جواره الإقليمي لا مسرحاً لصراعاتهم ونفوذهم، إنما هو تعبير عن الرغبة بعودة العراق قويّاً بعيداً عن رغبات السياسيين الذين يريدون لِلعراق أن يبقى تابعاً لمحور إقليمي في قبال محور آخر. فالعراقيون يعبّرون عن رفضهم لِلتبعية السياسية التي تنتمي إليها قوى وأحزاب سلطوية. ولذلك تعبّر احتفالات العراقيين عن رغبتهم في أن يكونوا أمةً لها هويّة وطنية تعلوا على عناوين المكونات والطوائف التي تقاسم السياسيون على أساسها مناصبَ الدولة العليا. 

في كلّ محفل دولي أو مناسبة يحتضنها العراق، نجد صنفَين يلتقيان بالعراق ويفترقان في رؤيتهما له، وشتّان ما بين مهووس بالسلطة والنفوذ وسرقة المال العام، وبين مَن يتمسك بوطنه في الشدّة والرخاء، وبين مَن يعدّ العراق مَنجماً ينهب ويسلب منه مِن دون حسيب أو رقيب! ورغم كلّ الخراب والفوضى التي أسستها الطبقةُ السياسيةُ الحاكمة والقوى الفاعلة في الحكم، نجد العراقيين يصرّون على أنّهم يتمسكون بحلم العيش في دولة تعيد الاعتبارَ لهويتهم الوطنيّة. لذلك على الحكومة والأحزاب السلطوية أن تقارِن بين احتفالات تقيمها لتعبّر عن شرعية نفوذهم ورمزياتهم السياسية الموهمة التي لا يحتفي بها إلا زبائنهم، وبين احتفالات تعبّر عن عودة الروح لِلهوية الوطنية التي عملوا على طمسها طوال سنوات حكمها.

عودة البصرة إلى ألقها الحضاريّ والدوليّ يجب أن لا يكون شكلياً ولا مؤقتاً، بل يفترض أن يكون حافزاً إلى أن تكون كلّ محافظات العراق منهمكة بالتنافس نحو الإعمار والتنمية وليس في الإهمال والخراب. فالبصرة التي يلتقي عندها نهرا العراق وفيضان خصبه ويصبّ في شطها فراتاً عذباً، يجب أن لا تبقى فاقدة إلى الماء الصالح لِلشرب. والمحافظة التي تُعدّ رئة العراق البحرية الوحيدة على العالَم، ومنها تخرج أنابيب النفط الذاهبة لأصقاع الأرض، وأرضها التي تزود العراق بـ90% من موازنته السنوية، يجب ألا يبقى أبناؤها ينسحقون تحت خط الفقر، وألا تبقى نيران حقول الغاز فيها تعبّر عن الهدر السنوي لثروات العراق. وألا تبقى أسيرةً لحكم مافيات تهريب النفط والمليشيات التي تسيطر على منافذها الحدودية. بل يجب أن تدخل في سباق وتنافس مع ملامح العمران والبناء في أخواتها المدن اللاتي يتشاطأن معها الخليج. 

في كلّ مناسبة أو حَدَثٍ يعبّر فيها العراقيون عن تمسّكهم بالحياة والأمل، يؤكدون لِلعالَم بأنّهم فعلاً ورثة ملحمة جلجامش التي يمكن اختصارها بتمسكها بالحياة وبحثها عن الخلود. وطوال السنوات الماضية كسر العراقيون إرادة قوى الإرهاب والظلام وجماعات السلاح المنفلت بإرادة الحياة. وكما عبّر عنها الشاعر الكبير محمود درويش بقوله: 
وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ 
وَنَرْقُصُ بَيْنَ شَهِيدْينِ نَرْفَعُ مِئْذَنَةً لِلْبَنَفْسَجِ بَيْنَهُمَا أَوْ نَخِيلاَ 

إنّها معركة شرسة مع الأمل والتفاؤل بعودة العراق كدولة، وليس كياناً سياسيّا هشّا تتقاسمه عنوانات: طائفي وقومي وصراع محاور، ومن شراستها لا تبدو فيه قوى السلطة وأحزابها هي مَن يستعيد الدولةَ إلى العراقيين، لأنَّ غالبية رجالتها لا يجيدون غير إشاعة فنّ الموت، وثقافة الظلام، ويفرضون العيشَ خارج دائرة الفوضى والخراب الذي أنتجوه طوال فترة حكمهم.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.