امرأة تشارك في مظاهرة لدعم الاحتجاجات الإيرانية في باريس (تعبيرية)
امرأة تشارك في مظاهرة لدعم الاحتجاجات الإيرانية في باريس (تعبيرية)

لا أظن أن أحداً في السعودية أو إيران، فكّر أو خطط لفتح جبهة جديدة في "معركة الصورة" بين البلدين، ميدانها هذه المرة، حقوق النساء ومكانتهن.

لكن المراقب للجارتين اللدودتين، لا تفوته ملاحظة، أن معركة غير مباشرة، قد ألقت بثقلها عليهما، وأن النساء في البلدين، هنّ ساحتها وموضوعها، وأن "معركة الصورة" فرضت نفسها على الطرفين المتصارعين، والأرجح من غير دراية أو تخطيط من أي منهما. 

نساء المملكة يعشن مرحلة ذهبية بامتياز، بعد أن تخلصن من "الشرطة الدينية" أو "المطاوعة"، الذين طالما وقفوا لهن بالعصي والمرصاد. يقدن السيارات والطائرات، وكل ما يدب على الأرض، ويمارسن مختلف الرياضات، حتى أنهن سيستقبلن بعد أيام، البطولة الدولية الودية لكرة القدم النسائية.

نساء المملكة يزحفن بقوة نحو سوق العمل والأعمال، بحجاب أو من دونه، وهن منتشرات في مختلف ساحات الترفيه والمقاهي والاستادات، وحكاية "المحرم" طوت أو تكاد تطوي آخر صفحاتها، بالقرار الذي صدر مؤخراً والذي يقضي بالسماح للمرأة بالتسجيل لموسم الحج القادم، بمحرم أو من دونه، بـ"عصبة نساء" أو من دونهن. 

نساء الجمهورية يواجهن في المقابل، واحدة من أصعب لحظات حياتهن بعد مقتل مهسا أميني في أحد مراكز التوقيف على يد "شرطة الأخلاق"، وهي شرطة دينية بامتياز، وطبعة إيرانية من نظام "المطاوعة"، مئات النساء تعرضن للقتل والاعتقال والملاحقة، وأزيد منهن من الرجال والشباب، جراء الصدام بين جمهور لديه 100 سبب وسبب للغضب والاحتجاج، وأجهزة أمنية، تجد صعوبة في فهم حقيقة أن إدارة المجتمع في القرن الحادي والعشرين، بأدوات وأحكام العصور الغابرة، لم يعد أمراً ممكناً بحال من الأحوال.

صحيح أن "بوليس الأخلاق" قد سُحِبَ من الشوارع، وأن النساء يمارسن اليوم قدراً أعلى من الحرية في انتقاء طريقة وضع الحجاب، لكن الصحيح أيضاً، أن قراراً رسمياً بحل هذه الشرطة، لم يتخذ، وتشريعات جديدة لم تسن، والباب مفتوح أمام شتى الاحتمالات والتطورات. 

في المملكة، ثمة من يقول إن الانفتاح الاجتماعي والثقافي والفني، ليس في واقع الحال سوى سعيٍ من ولي عهد المملكة لتحسين صورته التي لحق بها أفدح الضرر بعد حربه على اليمن، وجريمة مقتل (وتقطيع) جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، فضلاً عن رغبته في إعادة رسم صورة جديدة للمملكة، التي قيل في وصفها ما لا يقال: "مملكة الظلام"، وحصن التطرف وقلعة التشدد ونبع الإرهاب.وهذا صحيح تماماً، وليس ثمة ما يدعو لإنكاره أو التنكر له. 

لكن الصحيح كذلك، أن الأمير الشاب، الذي وضع لنفسه وبلاده هدفاً محورياً، تدور حوله كافة السياسات والتشريعات والإجراءات، وترصد من أجله الموازنات الفلكية: رؤية 2030، يدرك تمام الإدراك، أنه من دون "ثورة ثقافية" شاملة، سيصعب عليه تحقيق رؤيته، فمجتمع السياحة والاستثمار والترانزيت، لا يستقيم مع هيمنة متوحشة للمؤسسة الدينية المتشددة، ورجالاتها المبثوثين في الشوارع والميادين، لمطاردة كل من يسقط حجابها، أو تتكشف عباءتها عن "مقطعٍ" من ساقها.

"الثورة الثقافية" السعودية، حاجة وأولوية سعودية أولاً، تسهم ثانياً، في إعادة رسم الصورة، صورة المملكة وصورة ولي عهدها، وهذا ما يفسر السرعة الجنونية التي ينطلق فيها قطار التغيير الاجتماعي والثقافي في بلاد "خادم الحرمين الشرفين". 

في الجمهورية، التي تستظل بظل "الولي الفقيه"، ما زال هناك من يعتقد بأن "الشرعية الدينية" هي المصدر الأسمى لشرعية "ولاية الفقيه"، وأن المجتمع الإيراني يؤمن بغالبيته بهذه الشرعية، وعليه استتباعاً أن يتقيد بمقتضياتها ومندرجاتها، ومن بينها التزام "اللباس الشرعي" و"الحجاب"، وأن كل ما جرى ويجري في الأشهر الأربع الفائتة، إنما هو "مشروع فتنة" مدبر من الخارج وفي ليل بهيم، وأن الأعداء يخططون لجعل بعض الأخطاء المتفرقة التي يقارفها نفرٌ من مؤسسات إنفاذ القانون، بمثابة حصان طروادة للوصول إلى الداخل الإيراني، بعد أن فشلت سياسات الحصار والعدوان في تقويض نظام "الثورة الإسلامية"، وأن الإعلام الغربي و"بعض العربي" متورط في تضخيم حجم الاحتجاجات والنفخ في قيرها، لأعراض لا تخفى على أحد. 

السردية الإيرانية الرسمية، تعيد إنتاج سرديات رسمية عربية تكاثرت كالنبت الشيطاني في عشرية الربيع العربي، بما فيها حكاية التضخيم والنفخ، وأخفقت جميعها في منع سقوط الأنظمة، أو تسويق وتسويغ روايتها، فلماذا تظن طهران، بأن حظوظها في تسويق ذات الرواية، ربما تكون أفضل من حظوظ غيرها؟ وهل فعلاً نجحت هذه الرواية في إخماد تمرد الشارع؟ وإن كان الحال كذلك، فلماذا الاضطرار إلى اللجوء إلى الاستخدام المفرط للقوة لقمع الاحتجاجات، المستمرة حتى الآن في الأطراف على الأقل، والتسبب في مقتل المئات وسجن الآلاف من شباب وشابات الحركات الاحتجاجية؟

إيران تواجه تحدياً جدياً، لا يعالج بالإيغال في "حالة الإنكار" وتعليق الأخطاء والخطايا على مشاجب الخارج والآخرين، والاحتجاجات التي أعقبت مقتل أميني، بدأت تأخذ طابعاً "قومياً – مذهبياً" أشد خطورة، بدلالة استمرارها في الأطراف، وهدأتها في طهران. 

في المملكة، التغيير يأتي من فوق لتحت، ويحمل في طياته بعض مظاهر "الفجور" والخروج عن المألوف التي تصاحب عادة، "ثورات ثقافية" بهذا الحجم، وتتسبب بموجة اعتراضات صريحة ومكتومة، وهذا صحيح، لكن ما يتعين أخذه بنظر الاعتبار، أن سرعة وتيرة التغيير، والانتقال من بلد عاش لعقود وقرون في قبضة أكثر المدارس الدينية تشدداً إلى بلد يريد أن يتخطى بيروت والقاهرة ودبي والدوحة، كمركز جذب للفنون والترفيه والرياضات وغيرها، لا بد أن ترافقها ظواهر كهذه. 

وفي الجمهورية، يأتي التغيير من تحت إلى فوق، ولقد رأينا مظاهر مشابهة، وإن كانت أقل فجوراً وصخباً، صدرت عن المحتجين والمحتجات، فالمجتمع الإيراني، أكثر عمقاً واستقراراً، ولم تفلح "الثورة الثقافية" في إيران، التي يعاد النظر اليوم في بعض جوانبها تحت ضغط الاحتجاجات، في إلغاء سماته وخصائصه كليةً

.إيران بخلاف السعودية، سبق وأن خبرت في عهد الشاه "ثورة بيضاء"، وفي عهد مصدق "ثورة استقلالية"، ولطالما كانت مسرحاً للتعدد والتنوع، المسموح والممنوع، سياسياً وفكرياً وحزبياً، قبل أن "تأكل الثورة الكثير من أبنائها"، بخلاف المملكة التي قامت على تحالف العائلة الحاكمة مع المدرسة الوهابية، وتوحدت بالسيف، جغرافياً واجتماعياً وثقافياً. 

في المملكة كما في الجمهورية، تغيب الحريات والحقوق السياسية وإن بأقدار متفاوتة. التعدد من داخل النظام، مسموح به في إيران، أما من خارجه، فيعرّض المختلفين لأوخم العواقب. في السعودية، باب الحريات السياسية مغلق، وربما كان التوسع في فتح أبواب الحريات الشخصية بديلاً أو تعويضاً عن تمنع النظام عن فتح المجال العام للتعددية السياسية والفكرية والحزبية، وهذه ملاحظة جديرة بالاهتمام والبحث والمتابعة. 

في المملكة كما في الجمهورية، ما زالت طريق النساء لانتزاع حقوقهن الكاملة، مديدة ومريرة، لكن المملكة سجلت في السنوات القليلة الفائتة فوزاً بالنقاط في "معركة الصورة"، وفي المقابل، خسرت إيران هذه المعركة بالنقاط كذلك، وربما تخسرها بـ"الضربة القاضية الفنية" كما يقال في لغة "الملاكمة"، إن ظلت إنكارها وتنكرها لحقيقة أن زمن "قفص الحريم" قد ولّى إلى غير رجعة، وأن من مصلحة إيران، ألا تندرج في الترتيب الثاني بعد أفغانستان/طالبان، في قائمة البلدان الأكثر انتهاكاً لحقوق النساء. 

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.