تقود جماعة الإخوان المسلمين حملة إعلامية شاملة تحاول تصوير الخطوة بأنها حرب على الله ورسوله والمؤمنين
سودانيون يتظاهرون في مصر دعما للإخوان المسلمين عام 2013.

بالالتفاتة السياسية الإقليمية الاستراتيجية الأخيرة، التي من المتوقع أن ينتهي منها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خلال الأشهر القليلة المقبلة، وبعد المجريات التونسية الحادة طوال العام الماضي، ستكون جماعة الإخوان المسلمين قد فقدت آخر النُظم الإقليمية المؤازرة لها، ولأول مرة منذ سنوات كثيرة. 

إلى جانب ذلك، فإن الجماعة السياسية والإيديولوجية الأوسع انتشارا والأقدم عمرا والأكثر حيوية في تاريخ منطقتنا، ستكون قد أنجزت دورة حياة سياسية كاملة، طالت لثلاثة أرباع قرن، جربت خلالها كل شيء تقريبا: من مزج السياسة بالدعوة مرورا بمهادنة الأنظمة، وصولا للاندراج في العنف ودعم الإرهاب، وليس انتهاء باستلام السلطة وقيادة بعض الدول، لكنها خرجت منها جميعا بنتيجة واحدة: "صفر اليدين". 

منطقيا، من المفترض أن يؤدي هذا التموضع الجديد للجماعة إلى مجموعة من التحولات في بنيانها الهيكلي: في وعيها لذاتها كتنظيم وفاعل سياسي، ورؤيتها الكلية للمجتمع وموقع الجماعة وتنظيمها منه، بالذات من مسألة الحريات العامة والمساواة والمواطنة الواحدة. ومع الأمرين في فهم الجماعة للدولة، كمجموعة من المواثيق والمؤسسات والسلطات والأعراف والحدود، المادية والرمزية. 

فما وصلت إليه جماعة الإخوان المسلمين راهنا، كتنظيم سياسي عقائدي عالمي، يعاني من النبذ والملاحقة والشيطنة، إلى جانب الفشل الذريع في تحقيق أي شيء أو إضفاء أية قيمة مضافة على الحياة العامة في مختلف البلدان والتجارب، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، كان على الدوام نتيجة لتلك المستويات الثلاثة من التفاعل. ولحظ عاثر، لم يكن الإخوان وحدهم ضحايا تلك التجربة المريرة، بل جروا معهم مختلف مصائر وأحوال سكان المنطقة.  

التحولات المنظورة والمفترض حدوثها ضمن جماعة الإخوان هذه، لا تتعلق ببعض الخلافات التفصيلية التي قد تحدث ضمن الهيكل التنظيمي للجماعة، مثل انشقاق بعض القياديات عن بعضها الآخر، وتكوين تنظيمات شبه إخوانية هنا وهناك، بأسماء براقة لكن مخادعة، أو إعلان الجماعة إجراء مصالحة سياسية مع نظام سياسي ما. فهذه أدوات جربتها من قبل، وتقصدت مختلف أنظمة دول المنطقة تطبيقها، لكنها جميعا أثبتت فشلها على الدوام. 

فالحكاية المركزية في سيرة جماعة الإخوان المسلمين في تاريخ منطقتنا تتعلق بموقع الدين من الحياة العامة، بالذات من السلطة، السياسية منها بالتحديد، التي تؤطر فكرة السيادة العامة في أي بلد كان، حيث من  موقع الدين ذاك من السيادة العامة ينفرز كل شيء آخر. 

 فما إن خسر الدين موقعه المركزي والسيادي ذاك، مع انهيار الإمبراطورية الدينية الإسلامية/االسنية/العثمانية في منطقتنا، واُجترحت الدول الحديثة، حتى انبثقت جماعة الإخوان لمسلمين، كتنظيم أول وإيديولوجية ريادية، تفعل كل شيء، لاستعادة ذلك الماضي العتيد، بكل منطقه وسلطاته وأدوات فعله، وإن باستعارات واشكال من التقية وبأسماء وتنظيمات مختلفة العناوين والأدوار التفصيلية، لكن دوماً لاستعادة الدور المركزي للدين في السيادة والسلطة العامة، على الذات والمجتمع والدولة.   

بهذا المعنى، وبعد تجربة تاريخية مريرة أثبتت فشلها التام في كل تفصيل، وصار الإخوان في محصلتها مجرد "أيتام سياسيين"، وغدت أحوالهم مع دولهم ومجتمعاتهم أكثر بؤساً بسبب تجاربهم تلك، ولاعتقاد راسخ بأن مسألة العلاقة بين الدين والسياسة والفضاء العام شديدة الأهمية، وأكبر بكثير من أن تُترك لأية جماعة سياسية كانت لوحدها، فإن سؤالاً سياسياً كبيراً يُطرح على مجموعة كبرى من "القادة الجدد" للجماعة، في مختلف دول المنطقة والعالم، لكن أولاً في دول مثل مصر وسوريا والسودان، التي عاشت التجارب الأكثر مرارة.  

سؤال تعريف الذات هو الأكثر إلحاحاً وحضوراً: فهل جماعة الإخوان المسلمين ما تزال مقتنعة بتلك النوعية من البهلوانيات الكلامية، التي تعتبر الجماعة هيئة سياسية ودعوة دينية وجماعة رياضية وفكرة اجتماعية وشركة اقتصادية ... إلخ، كما سعى الإخوان طوال عقود لتعريف أنفسهم، وذلك لتكوير وتخبئة حقيقة نزوعهم السلطوي للهيمنة على كافة مفاصل الحياة العامة؟! 

 أم أن الجماعة من المفترض أن تعود إلى الأصل الأكثر بساطة للعمل السياسي، عبر الإقرار بكونهم مجرد حزب سياسي، يسعى للسلطة مثل غيره من التنظيمات السياسية؟ مع حقه التام في الحفاظ على نوعية من المعتقدات والخطابات والإيديولوجيات السياسية، الواضحة والمعلنة والشفافة، التي لا تخالف الدساتير المدنية، ولا تسعى للقبض على روح المجتمع أو تفكيك الدول وتأسيس إمبراطوريات عالمية.  

بالضبط وببساطة مثل مئات من التنظيمات السياسية المحافظة في مختلف دول وتجارب العالم.  

السؤال الرديف لذلك يتعلق برؤية الجماعة للمجتمع: فهل هو مجرد مجموعة من الأفراد المحتاجين إلى الإرشاد والضبط والتلقين من قِبل جماعة ما إرشادية على الدوام، ليكونوا موافين لترسانة من المحددات التي تخلق منهم "كائنات الصلاح"، وأن ذلك هو جوهر اللعبة والديناميكية الاجتماعية، وعلى حساب أي شيء كان حسبما فعلت الجماعة طوال تاريخيها السياسي/الاجتماعي المديد؟! أم أن المجتمع فضاء أكثر تعقيداً وتركيباً من ذلك، ترتبط وتقوم صحيته على مستوى روح المبادرة والحريات العامة التي بداخله، بالذات على تلك المعايير العلمية التقليدية القائمة على ربط صحية المجتمع بمدى اعتراف أفراده ببعضهم البعض، واعتراف الأفراد بالمجتمع، واعتراف المجتمع بهؤلاء الأفراد بالأدوار والفاعليات والمبادرات والحقوق الطبيعية التي لكل واحد دون قسر وفوقية وأبوية؟ وتالياً ترك ذلك السرد من المعتقدات ذات البنية الذهنية العسكرية التي تتخيل المجتمع عبارة عن مجموعة من العصاة المحتاجين لمجموعة ضخمة من النواهي وأشكال العِقاب.  

أخيرا، فإن الجماعة من المفترض أن تعود للسؤال المركزي الذي على أساسه تأسس كل الإسلام السياسي في تاريخ منطقتنا: هل استعادة الماضي السياسي العتيد أمر ممكن؟ أم أن ذلك مجرد خيال رومانسي عليل؟! الماضي بكونه مجموعة من التجارب والسرديات الكبرى عن الدولة الإسلامية الجبارة التي كانت تخوض حروباً وتطبق نظماً سياسية وقوانين داخلية قائمة على الشرائع الإسلامية.   

جواب أبناء الجماعة على ذلك السؤال، هو مقدمة أولية لخلاصهم من فكرتهم العدائية مع بنيان الدولة الحديثة التي، ومع كل وبالها، ليس لنا ولحاكميها وللإسلاميين من عيش وخلاص إلا بمزيد من تحديثها لا العكس. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.