تاج محل، تحفة معمارية فريدة في نوعها. أرشيف
تاج محل، تحفة معمارية فريدة في نوعها. أرشيف

في شهر نوفمبر الماضي طردت جامعة هاملاين Hamline الصغيرة والخاصة في مدينة سانت بول بولاية مينيسوتا أستاذة تاريخ الفنون، أريكا لوبز برايتر، من وظيفتها بعد تلقيها لشكاوى من بعض الطلاب المسلمين الذين ادعوا أنها أهانت الدين الإسلامي بعد عرضها لمحاضرة مصورة عن الفن الإسلامي تضمنت رسومات للنبي محمد تعود للقرنين الرابع والسادس عشر.

اللوحة التي أثارت سخط الذين نصّبوا أنفسهم حراسا للدين الإسلامي هي من "جامع التواريخ" لرشيد الدين الفارسي، تعود للقرن الرابع عشر وتقتنيها مكتبة جامعة أدنبرة، ويظهر فيها النبي محمد وهو يستلم للمرة الأولى من الملاك جبرائيل أول وحي قرآني. ووفقا لمقال نشرته أستاذة تاريخ الفنون الإسلامية في جامعة ميتشغان، كريستيان غروبر  Christiane Gruber، في مجلة نيولاينز Newlines، الطليعية يعتبر المؤرخون ومدراء المتاحف هذه اللوحة من أهم روائع رسومات المخطوطات الفارسية، وهي تدرس في صفوف تاريخ الفن الإسلامي في الجامعات الأميركية والأوروبية والعربية والتركية والإيرانية. كما تضمن العرض رسما للنبي محمد ولكن بحجاب يغطي وجهه وهالة تحيط برأسه من رسم، مصطفى ابن والي العثماني، ويعود تاريخه إلى القرن السادس عشر كجزء من مخطوطة حول سيرة النبي.

وانطلاقا من حرصها على احترام مشاعر طلابها المسلمين، أشارت الأستاذة برايتر في منهجها الدراسي المكتوب الذي سلمته للطلاب إلى أنها سوف تعرض صورا عن لوحات ورسومات لشخصيات دينية بمن فيها رسومات للنبي محمد والبوذا، وطلبت منهم أن يتصلوا بها إذا كانت لديهم أي تحفظات. وفي هذا السياق، أعطت الطلاب إنذارا لمدة دقيقتين قبل عرض رسوم النبي محمد للامتناع عن متابعة الحصة الدراسية التي كانت تعرض بشكل افتراضي إذا اختاروا ذلك. وقالت الأستاذة برايتر لاحقا إنه لم يتوقف أي طالب عن متابعة الحصة الدراسية.

وخلال شرحها للرسوم قالت الأستاذة برايتر لطلابها ما يقوله العديد من مؤرخي الدين الإسلامي والأكاديميين المعنيين بالفنون الإسلامية  أي أن هناك مفهوم شائع يقول إن الدين الإسلامي يمنع بشكل مطلق أي رسم لأي شخصية دينية أو آلهة، ولكنها أضافت "ولكنني أود أن أذكركم أنه لا يوجد هناك ثقافة إسلامية موحدة". ما لم تذكره الأستاذة برايتر خلال عرضها للرسوم هو أن القرآن لا يتضمن أي تحريم للرسوم والصور.

وما قالته الأستاذة برايتر صحيح. المسلمون السنّة بشكل عام وخاصة في الثقافة العربية يحرّمون تقليديا رسم وتصوير الشخصيات الدينية والمقدسة مثل الذات الإلهية والملائكة والأنبياء بمن فيهم النبي محمد والصحابة. ولكن الوضع مختلف في ثقافات إسلامية أخرى هامة مثل إيران وتركيا ودول آسيا الوسطى، حيث نرى منذ القرون الوسطى وخاصة في المجتمعات ذات الأكثرية الشيعية رسوما وصورا للنبي محمد والإمام علي ونجله الإمام الحسين، إضافة إلى الصحابة والملائكة.

كما أن الإسلام تطور ونمى بأشكال مختلفة واكتسب عادات وتقاليد عكست طبيعة الثقافات التي سبقته وتأثر بها كما تأثر بتنوع المناطق الجغرافية التي انتشر فيها. وأي مراقب للمدارس والمذاهب والطرق والتقاليد والممارسات الدينية المختلفة في المجتمعات ذات أكثرية مسلمة يدرك ذلك. الإسلام في أفريقيا تطور بشكل مختلف عن إسلام الهند، إسلام الأندلس المنفتح (بسبب تفاعله مع المسيحيين واليهود في شبه الجزيرة الإيبيرية) يختلف عن إسلام الجزيرة العربية المحافظ . وعلى سبيل المثال طوّر العرب الخط العربي بطرق خلاقة، بينما طوّر المسلمون الفرس والعثمانيين الرسوم والصور الدينية وصور الطبيعة والحيوانات في اللوحات وفي فن نسج السجاد. (أول مرة في حياتي رأيت لوحة للنبي محمد كانت ضمن معرض ضخم للفنون الإسلامية من دول آسيا الوسطى في أحد متاحف واشنطن).

في هذا الطيف الإسلامي الواسع والثري بتنوعه هناك الطريقة المولوية السنية المتسامحة إلى أقصى الحدود بقبولها وحبها للآخرين والتي أسسها الصوفي الشيخ، جلال الدين الرومي، التي اشتهرت بالرقص الدائري (رقص الدراويش) والتي تثمن الموسيقى، وهناك أيضا في المقابل الحركة الوهابية في الجزيرة العربية المنغلقة والمتزمتة والمعروفة بعدائها للأديان الأخرى وخاصة الشيعة والتي اكتسبت من الصحراء قسوتها وقحطها. الجوامع الإسلامية تروي أفضل من أي شيء آخر التنوع الغني في العمارة الإسلامية . جوامع أفريقيا المبنية من الخشب والطين تختلف كليا عن جوامع بلاد فارس ببلاطها الأزرق ومآذنها الجميلة المزخرفة والقصيرة نسبيا، والتي تختلف بدورها عن الجوامع العثمانية بقبابها الكبيرة والعالية وأقواسها (والمتأثرة بالعمارة البيزنطية الجميلة التي سبقتها) ومآذنها الطويلة والرفيعة والأخاذة وكأنها أيدي المصلين وهي تحاول الوصول إلى أعلى السماوات. في الهند، جامع تاج محل تحفة معمارية فريدة في نوعها، ولكنها نابعة من إرث الجوامع الفارسية. جوامع الصين وإندونيسيا، آسيوية بامتياز.

وفور انتهاء الحصة الدراسية للأستاذة برايتر بدأ مسلسل غريب ومقلق من ردود الفعل أدى إلى قيام  بعض الطلاب والناشطين المسلمين وإدارة الجامعة بخلق أزمة مفتعلة أثارت الأسئلة والاحتجاجات والشكوك حول مدى التزام مؤسسات التعليم العالي بالحريات الأكاديمية، وميل بعض الفئات من طلاب وناشطين إلى تحويل أي قضية أو جدل أكاديمي إلى قضية سياسية خلافية، وميل البعض للعب دور الضحية وزج قضايا عرضية أو خارجية مثل العرق والتمييز ضد الأقليات، لا علاقة مباشرة لها على الإطلاق بالمسألة قيد الجدل.

الطالبة السودانية، آرام ود عطا الله Aram Wedatalla، التي حضرت الحصة الدراسية والتي ترأس جمعية الطلاب المسلمين في الجامعة قالت في تصريحات صحفية إنها لم تصدق ما رأته في الصف، وأضافت "كمسلمة، وكشخص أسود، لا أشعر أنني أنتمي، ولا أعتقد أنني سأنتمي إلى جماعة لا تقدرني كعضو فيها ولا يعطوني الاحترام ذاته الذي أعطيهم إياه".

طلاب مسلمون آخرون لم يشاهدوا العرض الأكاديمي، أعربوا عن انتقادات مماثلة، وأوصلوا شكاويهم إلى إدارة الجامعة وطالبوا باتخاذ إجراءات ضد الأستاذة برايتر. الطالبة آرام التقت بالأستاذة برايتر ولكن اللقاء لم يكن مرضيا لها. لاحقا أرسلت الأستاذة برايتر للطالبة آرام رسالة إلكترونية اعتذرت فيها عن أي إزعاج قد تكون قد تسببت به، وأضافت "لم أكن أقصد أبدا إزعاج  أو إظهار عدم احترام أي طالب". وأشارت برايتر إلى أنها أبلغت طلابها مسبقا بأنها ستعرض هذه الرسوم لإعطائهم الفرصة للتوقف عن متابعة المحاضرة، وتابعت "لم أحاول مفاجأة الطلاب بهذا الرسم وبذلت قصارى جهدي لإعطائهم الفرصة للخروج من الصف".

ما هو لافت ومدهش ومقزز في آن، هو أن إدارة الجامعة أدانت الكشف عن هذه التحفة الفنية خلال مادة دراسية عن تاريخ الفن الإسلامي تتطلب بطبيعتها عرض هذه الرسومات واللوحات على الطلاب لمناقشتها وتقويمها، واعتبرتها عملا "دون شك طائشا وعديم الاحترام للآخرين ومعاد للإسلام Islamophobic". وهكذا اعتبرت جامعة أميركية في سنة 2022 تحفة فنية إسلامية رسمها خطاط مسلم في القرن الرابع عشر بطلب من حاكم مسلم بهدف تكريم النبي محمد من خلال إبراز لحظة بداية الدين الإسلامي، على أنها عملا معاديا للإسلام. وسارعت إدارة الجامعة بإبلاغ الأستاذة برايتر بالاستغناء عن خدماتها.

ووفقا للأستاذة برايتر قارنت عميدة كلية الفنون في الجامعة عرض صور النبي محمد باستخدام إهانة عنصرية ضد الناس السود. ووصلت مبالغات المحتجين إلى مستويات يصعب تصديقها حين ادعى ممثل لمنظمة إسلامية في محاضرة له حول القضية في الجامعة أن عرض صور النبي محمد مماثل لتعليم الناس أن هتلر كان إنسانا جيدا. هذه الاحتجاجات العبثية مهينة للمنطق والعقل وللحريات الأكاديمية. أيضا مغالاة إدارة الجامعة باعتذاراتها الجارفة ومحاولاتها المحرجة لاسترضاء الطلاب المسلمين والناشطين الإسلاميين المحترفين لا تليق بأي مؤسسة تعليم عال في مجتمع ديمقراطي. طرد الأستاذة برايتر من وظيفتها وعدم إعطائها الفرصة للدفاع عن نفسها علنا وعدم دعوتها للمشاركة في نقاش تم تنظيمه حول الموضوع هو دليل سافر على نجاح جهود الترهيب في تقويض الحريات الأكاديمية التي لا يمكن بدونها أن تزدهر أي جامعة.

وخلال الأيام الماضية حظيت قضية الأستاذة برايتر والتصرف المشين والجبان لجامعة هاملاين باهتمام إعلامي، وسارعت المنظمات المعنية بصيانة الحريات الأكاديمية إلى إدانة قرار فصل الأستاذة برايتر وإعادة تجديد عقدها.

المؤسف والمدهش أن جامعة هاملاين تعاملت مع عرض أكاديمي لرسوم تكريمية للنبي محمد تعتبر من روائع الفن الإسلامي وكأنها مماثلة لرسوم الكاريكاتور التي سخرت من النبي محمد والتي نشرتها مجلة "شارلي إيبدو" في فرنسا وعرضت المجلة لهجوم إرهابي في 2015.

بعد الضغوط من الطلاب المسلمين وغيرهم من الناشطين الإسلاميين الذين يدافعون في بعض الحالات عن ضحايا مزيفين كما هو حال المحتجين في جامعة هاملاين، ويتجاهلون عنف وقسوة وفساد وطغيان معظم الأنظمة السياسية في الدول ذات الأكثرية المسلمة، بعث رئيس الجامعة برسالة إلكترونية مذهلة بمضمونها  للطلاب قال فيها إن احترام الطلاب المسلمين "يجب أن يعلو على الحرية الأكاديمية" متناسيا الحقيقة البديهية للثقافة الليبرالية التنويرية التي يفترض أن تعتمدها الجامعات في الدول الديمقراطية وهي أنه في الجامعة، الحرية الأكاديمية تعلو على كل اعتبار آخر.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.