أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.