لم تزل المشكلة حول الشيخ الشعراوي تلقي بظلالها في الإعلام العربي وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. ما بين مؤيد للشيخ الشعراوي، وما بين رافض له، تاهت أمور عديدة نحتاج إلى توضيحها في هذا المقال.
ويبدو لي أن ما حدث من احتدام للصراع حول فتاوى الشعراوي له عدة جذور ومنها مايلي:
أولاً: عدم قبول رجال الدين لتدخل غيرهم في الأمور الدينية، وحجتهم في هذا أنهم ليسوا متخصصين.
وأغرب ما في هذا الأمر أن الكثير - إن لم يكن أغلب رجال الدين - يتدخلون في أمور خارج نطاق العبادات والعقيدة. فهم تارة يتكلمون عن أرباح البنوك، وكيف أنها محرمة وتارة يتدخلون في أمور طبية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مثل زراعة الأعضاء وغيرها من الأمور الطبية. وكان أحرى برجال الدين هؤلاء أن لا يكيلوا بمكيالين، فإن أعطوا لأنفسهم حق التدخل في أمور لم يدرسوها، فإن غيرهم له نفس الحق في أن يتدخل في المفاهيم الدينية خاصة تلك التي تعوق مسيرة التقدم والحضارة.
ثانيا: عدم وجود تعريف للكلمات المستخدمة في النقاش مثل كلمة "الوسطية". فها نحن نواجه صراعا شرساً بين من يقول إن الشيخ الشعراوي كان وسطياً وبين من يقول العكس من ذلك. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: هل من يقولون إن الشيخ الشعراوي وسطي يرون دعمه لقتل تارك الصلاة وسجوده فرحاً بعد النكسة وإباحته لضرب المرأة وتحريمه للتبرع بالأعضاء ودعوته لأخذ الجزية من غير المسلمين وإذلالهم وخلق كراهية ضد المسيحيين هو نوع من أنواع الوسطية!
والكارثة – كل الكارثة – في هذا السياق أن عدم وجود تعريف واضح للكلمات قد يتسبب في صراع أبدي بين المختلفين عليها وهو مثل الصراع بين اثنين إن كان شخصاً ما مريض بمرض إرتفاع ضغط الدم دون وضع "تحديد" واضح لضغط الدم الطبيعي في الإنسان! ولنا أن نتصور كيف ينتهي مثل هذا الصراع دون أن يتم تحديد ضغط الدم الطبيعي! نفس الأمر كان وسيظل في الصراع حول "وسطية" الشعراوي إذا لم يتم تحديد معايير وصفات واضحة لكلمة "الوسطية".
ثالثاً: عدم وضع رجال الدين أمام الرأي العام في وضع اختيار يمسهم بصورة شخصية. فعلى سبيل المثال سيكون مفيداُ للغاية إن تم سؤال د. الدكتور عبد المنعم فؤاد، المشرف العام على رواق الأزهر حين ظهر في برنامج الحكاية مع الإعلامي عمرو أديب وأعلن عن قبوله لمبدأ أن مدة حمل المرأة قد تصل إلى 4 سنوات، عما إذا سافر للخارج 3 سنين ثم عاد إلى مصر ووجد زوجته حاملاً في جنين فهل كان سيقبل في هذه الحالة بنوة هذا الطفل لأن مدة الحمل قد تصل إلى 4 سنوات كما قال الشيخ الشعراوي وقبله هو علانية؟...أم أنه سيرفض الاعتراف ببنوة الطفل في هذه الحالة؟ السؤال بسيط للغاية ولكنه كان سؤال كاشف.
واتحدى إن خرج علينا المؤيدوون لفكر الشعراوي علانية ليقولوا إنهم سيقبلون بنوة الطفل لهم في الحالة المذكورة!
رابعاً: محاولة حل المشكلة بعدم وضع بعض المؤسسات الإعلامية فيديوهات البرامج التي تم مناقشة موضوع الشعراوي فيها على اليوتيوب كما حدث مع الإعلامية عزة مصطفي وغيرها ممن تبنوا رأيا نقديا لفكر الشعراوي. فالمنع لم يمنع الناس من تداول الفيديوهات أو مقاطع منها عبر وسائل متعددة والأهم من ذلك أنه أظهر ضعف من يدافعون عن فكر الشعراوي وعجزهم عن الرد المنطقي مما يتسبب في رفض أكثر لفكر الشعراوي على عكس مايريدون!
وأخيراً فقد أظهرت قضية الصراع حول فكر الشيخ الشعراوي أننا نحتاج لثورة فكرية ترفض تقديس الأشخاص وترفض قبول فكرهم بصورة مطلقة وتضع تعريفا واضحا للكلمات المستخدمة في المناقشة!
وللحديث بقية!

