إذا جرى تخيير القيادة الفرنسيّة بين مصالحها مع إيران، من جهة وبين الدفاع عن حق مجلّة "شارلي إيبدو" في "حريّة التعبير"، من جهة أخرى فإنّها لن تتردد، لحظة واحدة، في إهمال "الخيار الإيراني"، ذلك أنّ العلاقات مع النظام الإيراني الذي لا يشبه فرنسا بشيء، هي "نفعيّة"، في حين أنّ النظرة إلى حقوق المجلّة الفرنسيّة الساخرة التي دفعت، قبل ثماني سنوات ضريبة دمويّة غاليّة، هي "وجوديّة".
صحيح أنّ طبيعة الرسوم الكاريكاتوريّة التي استهدفت مرشد الجمهوريّة الإيرانية علي خامنئي، بوجه خاص، قاسية للغاية، وبعضها "يتنافى" مع ما يسميه البعض بـ"الذوق العام"، ولكنّ الصحيح أكثر أنّ الطبيعة العامة للرسوم الكاريكاتوريّة التي تعتمدها هذه المجلّة لا تقل قساوة.
وبالنسبة للمسؤولين الفرنسيّين فإنّ أمام كلّ من يتضرّر من هذا "الخط التحريري" الذي تعتمده المجلّة الساخرة طريقًا واحدًا: القضاء!
وهذا يعني، بالنسبة لهؤلاء المسؤولين، أنّ التهديدات "الحمراء" التي أطلقها قائد "الحرس الثوري الإيراني" حسين سلامي، في حمأة التصعيد الإيراني، ضدّ مجلّة "شارلي ايبدو" التي تعرّضت لهجوم سيبراني عطّل موقعها الإلكتروني لأيّام، لن يُنتج سوى دفع القيادة الفرنسيّة، رغمًا عنها، إلى التعامل مع النظام الإيراني مثل تعاملها مع تنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش".
وبالفعل، فبعد التفاعل الإيراني العنيف مع العدد السابق للمجلّة الفرنسية الساخرة التي نشرت عشرات الرسوم الكاريكاتوريّة، صدر، يوم الأربعاء الأخير عدد جديد ذهب أبعد ممّا كان قد ذهب إليه العدد السابق، إذ تضمّن هجومًا حادًا غير مسبوق، بالكلمة كما بالصورة، ضد النظام الإيراني عمومًا وضد خامنئي خصوصًا.
ولكن هل القضاء فعلًا هو الحل، في مسائل مماثلة؟
بالنسبة للمسؤولين الفرنسيّين لا يوجد حلّ آخر، فالدستور الفرنسي يحفظ للجميع "حق التجديف"، ووحده القضاء يستطيع أن يرسم حدود ممارسة هذا الحق، وتاليًا فإذا كانت إيران تعتبر أنّ ما أقدمت عليه مجلّة "شارلي ايبدو" يتطاول على "مقدساتها الواجب احترامها"، فليس لها سوى أن تتقدّم بادعاء، وتطالب بالعطل والضرر والعقوبات التي تراها مناسبة.
ويلفتون في هذا السياق، إلى الدعوى التي كان قد تقدّم بها عميد مسجد باريس الكبير، شمس الدين حفيظ، في الأيّام الأخيرة من السنة الماضية، بحق كبير روائيّي فرنسا، ميشال ويلبيك، بسبب مقاربته "الظالمة"، في حديث صحفي طويل، لموضوع المسلمين في فرنسا.
في هذه المقابلة قال ويلبيك إن نظرية "الاستبدال العظيم" التي يتبناها متطرفون يمينيون ليست مجرد نظرية إنما "واقع".
وجاء في نص الحوار: "عندما تكون مناطق برمّتها تحت سيطرة الإسلاميين، فأعتقد أن أعمال مقاومة ستحدث وستكون هناك اعتداءات وإطلاق نار في المساجد، وفي المقاهي التي يرتادها المسلمون، وباختصار، هجمات أخرى تشبه هجوم الباتاكلان"، في إشارة إلى هجمات الـ 13 نوفمبر 2015.
وفي جملة أخرى من نص الحوار يقول الكاتب: "إن رغبة الفرنسيين الأصليّين ليست أن يندمج المسلمون، ولكن أن يتوقفوا عن السرقة والهجوم عليهم وأن يتضاءل عنفهم بكل اختصار، وإلا فعليهم الرحيل، وهو حلّ جيّد".
ويعتبر هذا النوع من الكلام الذي يجعل جميع مسلمي فرنسا في خانة "المنحرفين" أخطر بكثير من الرسوم الكاريكاتوريّة ضد كبار مسؤولي النظام الإيراني، ومع ذلك كان الحل في اللجوء إلى القضاء.
وقد بدا واضحًا أنّ الإحالة إلى القضاء قد أخافت ويلبيك، على الرغم من "حصانته الثقافية"، أكثر ممّا كانت قد أخافته التهديدات الكثيرة بالقتل التي يتلقاها تباعًا، الأمر الذي استغلّه الحاخام الأكبر لفرنسا، حاييم كورسيا، لينجح في مساعي جمع ويلبيك بحفيظ، حيث تراجع الأوّل عن كلامه بالإشارة إلى إبهام في النص ناجم عن أنّه لم يكن يكتب، وهو يُحسن التعبير بدقة كتابةً، بل كان يتكلّم، ومن الأفضل للكاتب أن يضع أفكاره خطّيًّا، واعدًا بتوضيح مقاصده في كتاب سوف يصدر متضمّنًا نص المقابلة.
وفي وقت علّق فيه عميد مسجد باريس الكبير دعواه حتى صدور الكتاب، لوحظ أنّ كثيرين في فرنسا تشجعوا على إدانة مقاربة ويلبيك الإسلاميّة، بمن فيهم كبار المسؤولين في "حزب الجبهة الوطنية" الموسوم بأنّه يميني متطرّف.
ولكن، هل يمكن للنظام الإيراني أن يقتدي بحفيظ؟
يستبعد كثيرون خطوة مماثلة، على اعتبار أنّ ذلك سوف يفتح ملف النظام الإيراني في موضوع اضطهاد معارضيه، على مصراعيه، ويحوّل مجلة "شارلي إيبدو" إلى مرجعيّة دفاع عن جميع المتضرّرين من "نظام الملالي".
ولذلك، فإنّ إيران في مواجهة "شارلي إيبدو" ليس لديها سوى خيار من اثنين: الصمت لتمرير العاصفة أو رفع وتيرة المواجهة إلى مستويات القطيعة النهائية مع أكثر دولة غربيّة ميّالة إلى التعامل معها.
والخيار الثاني ترغب به وزارة الخارجية الإيرانية، ولكنّها، كما بات واضحًا، ليست وحيدة في رسم السياسة الخارجيّة، إذ أنّ "الحرس الثوري الإيراني" يتدخّل في "الشاردة والواردة"، حتى بات المراقبون في إيران نفسها يقولون إنّ الفوضى تعمّ سياسة الدولة الخارجية، وفق ما ورد في صحيفة "أبرار" الإيرانيّة التي لفتت، في عددها الصادر يوم الأربعاء الأخير، إلى أنّ "الدبلوماسيّة الإيرانيّة في عهد حكومة رئيسي تعاني من حيرة واضطراب، والسبب في ذلك هو تدخل الأطراف الأخرى في عمل الخارجية الإيرانية"، مشيرة، على سبيل المثال، إلى أنّه في اليوم الذي يطلق فيه وزير الخارجية، حسين أمير عبد اللهيان، تصريحات ودية تجاه السعودية يخرج أشخاص آخرون (إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس الإيراني) بتصريحات مناقضة، ويهاجم المملكة العربية السعودية، وفي هذه الحالة لا يمكن أن نتوقع تحسن علاقتنا مع دول الجوار".

