ويل سميث
ويل سميث

شرعنت العديد من المجتمعات البشرية القديمة عبودية البشر، وما نصفه اليوم وفقاً لمقاييس عصرنا بـ" العار" الذي وسم بعضاً من تاريخ تلك الحضارات، اعتبر في حينه مألوفاً وسائداً كثقافة عامة، وضعت لتنظيمه قوانين ولوائح فرقت بوضوح بين "السادة والعبيد". كما في حضارات مصر الفرعونية وبلاد سومر وأثينا وروما والامبراطورية العثمانية، وأيضاً في مجتمعات ماقبل الاسلام ومابعده، وغيرها من مجتمعات العالم القديم. فيما يعتبر تاريخ العبودية في أميركا الشمالية حديث نسبياً، وذلك "حين تم جلب أول مجموعة من "العبيد الأفارقة" عام 1619 إلى ولاية فيرجينيا للمساعدة في إنتاج المحاصيل" قبل أن تنتشر ثقافة الرق في جميع أرجاء الولايات الأميركية. 

ورغم أن جميع دول العالم ألغت العبودية المباشرة في العصر الحديث والتزمت بقوانين أممية صارمة لمناهضتها جذرياً، إلا أنها في واقع الأمر، مازالت مستمرة في العديد من مجتمعات العالم وتتخفى بممارسات وسلوكيات مستترة، وقدرت منظمة هيومن رايتس واتش في وقت سابق عدد الأشخاص المعرضين لأشكال مختلفة من العبودية الحديثة بأكثر من أربعين مليون شخص مثل عبودية العاملين/العاملات في قطاع الخدمة(المنزلية والفندقية والمطاعم والطرقات)، وعمالة الأطفال والتجنيد الاجباري والزواج القسري، وغيرها من الممارسات المشينة.

قاربت السينما العالمية عبر تاريخها، والأميركية بشكل خاص، موضوع العبودية بآلاف الأفلام المؤثرة، لأهمية التركيز على هذا الموضوع الانساني والاستمرار في الإضاءة عليه عبر منبر الفن السابع الابداعي الأكثر انتشاراً في العالم، وكنوع من غسل الذنوب والاعتذار لكل من قاسى من ويلات العبودية. ومازالت تنشط كل عام في اختيار قصص حقيقية ومتميزة من تاريخ العبودية، فاختارت العام قصتان مؤثرتان، جاءت الأولى عبر فيلم(Till)، والأخرى عبر فيلم (تحرير أو انعتاق- Emancipation) اللذين أطلقا للعرض قبل فترة وجيزة. 

ورغم أن فيلم (Till) مختلف ومؤثر وحظي بقبول جماهيري واسع وتقييم نقدي أعلى على قاعدة بيانات الأفلام IMDB، إلا أن فيلم انعتاق سيبدو ملفتاً ومثيراً للجدل، لسببين أولهما أنه من بطولة مطلقة للنجم العالمي ويل سميث، والسبب الآخر أنه مشارك بنفسه في إنتاجه. الأمر الذي يحيل إلى التساؤل حول الدلالات الخاصة المتعلقة بأسباب إقدام ويل سميث على المشاركة في هذا الانتاج بشكل خاص، ومغامرة بل تحدي ظهوره بهذه البطولة وبهذه السرعة، أي قبل أقل من عام من حادثة النسخة الأخيرة لحفل الأوسكار العام الفائت التي صفع بها مقدم الحفل كريس روك، وهي الحادثة التي مازالت مع تداعياتها القانونية والوجدانية ماثلة وبقوة في ذاكرة النقاد والسينمائيين والرأي العام، وفي تأثيرها المباشر على حياة ويل سميث.

"في الأول من يناير  سنة 1863، أي قبل 160 عاماً بالتمام، أقدم الرئيس التاريخي للولايات المتحدة الأميركية ابراهام لينكولن على اعلان قراره الرئاسي لتغيير الوضع القانوني الفيدرالي لأكثر من 3 ملايين مستعبد في مناطق معينة من الجنوب من "الرقيق" إلى "الحر". وكان الأثر العملي أنه بمجرد هروب العبد من سيطرة الحكومة الكونفدرالية أو من خلال تقدمه للقوات الاتحادية يصبح العبد حراً من الناحية القانونية، وفي نهاية المطاف وصل التحرير لجميع العبيد المعنيين".
حول هذا القرار الرئاسي التاريخي والمصيري يتمحور فيلم انعتاق، الذي يحكي سردية أسر العبد "بيتر" الذي أفضت قصته الحقيقية لاحقاً إلى إلغاء عقوبة الاعدام، وكيفية سلخه عن عائلته لتسخيره في أعمال الحدادة المتعلقة بالسكك الحديدية في الجنوب، ورحلة معاناته في معسكر العبيد الأسرى قبل هروبه منه بعد أن ذاع خبر اعلان الرئيس لينكولن تحرير العبيد، وذلك عبر حكاية البحث عن مصدر الصوت الذي تنطلق منه مدافع لينكولن، بوصفها البوصلة الصوتية والجغرافية التي يتوجب على من يسعى للتحرر التوجه صوبها، أو مايمكن وصفه بمدافع الخلاص.

وهي رحلة طاحنة وسط مجاهل مستنقعات لويزيانا ومخاطرها الجمة، تتعادل فيها قسوة الطبيعة بقسوة الرجل"الأبيض"، لعب ويل سميث دوره فيها ببراعة متناهية، على الرغم من أن الفيلم بشكل عام بدا من الناحية الدرامية غير متوازن بالمطلق من حيث زخم مشاهده غير المنقطعة شديدة العنف، وشيطنته الكاملة والمطلقة للرجل الأبيض، دون أن تلعب أية شخصية "بيضاء" بعض التعادل الانساني ولو في حده الأدنى، قياساً بأعمال سينمائية عريقة أظهرت قسوة العبودية وتجبر الرجل الأبيض، إلا أنها حرصت على وجود ولو شخصية درامية "بيضاء" واحدة تتمتع ببعض الرأفة.

تلك كانت القراءة الظاهرة للقصة المروية في فيلم انعتاق، لكن المدقق في تأثير الفيلم وخفاياه، وأيضا ًالتقمص الوجداني البليغ للغاية الذي تلبس روح وأداء ويل سميث، سينتابه إحساس تعاطف ما بأن هذا الفيلم، وإن كان يروي قصة تخص" بيتر"، إلا أنه يعني ويل سميث شخصياً. ليس من حيث رحلة تحرره من العبودية التقليدية الواردة في القصة، بل أشبه بنوع من محاولة تطهر سميث بذاته من قصة الذنب الذي ارتكبه في حفل الأوسكار واستعبد روحه، وأيضاً محاولة شرعية منه لاستجداء عتقه من هذا الذنب وغفرانه، بعدما أبدى الكثير من الأسف والندم، ودون أن يرأف قلب "هوليوود" عليه حتى الآن. 

بطبيعة الحال، تبقى قصة الفيلم قصة ملهمة ومؤثرة للغاية، تعيد الاضاءة على قباحة العبودية ومن مارسها، وترسخ مفهوم السعي نحو الحرية أو التحرر الذي يستحق كل هذا العناء وكل هذه التضحيات، وأيضاً السعي نحو نيل المغفرة السينمائية، الذي يستحق كل هذا التفاني في الانتاج والأداء المخضرم والجميل.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.