الدولارات المودعة في 2024 لا يمكن سحبها إلا بالعملة المحلية بالسعر الرسمي البالغ 1320 دينارا للدولار- صورة أرشيفية.
الدولارات المودعة في 2024 لا يمكن سحبها إلا بالعملة المحلية بالسعر الرسمي البالغ 1320 دينارا للدولار- صورة أرشيفية.

عندما تستمع إلى خطابات الحكومة والسياسيين بشأن إدارة موارد الدولة ونمط عمل مؤسساتها الماليّة وتقارنها مع آراء الأكاديميين والمتخصصين في الاقتصاد ستتأكّد مِن أنَّ طبيعة "النظام" الاقتصادي- وهنا أدرك حجمَ المغالطة عمّا أصفه بالنظام- يقارب وصفَ كائن مَسخ لا يمكن تحديد هويته ولا ملامحه العامة! فهو خليطٌ مِن نمط اقتصاد ريعيّ يعتمد مواردَ النفط، وتسيطر على حركة نشاطه الاقتصادي وإدارة الأموال مافيات وعصابات ترعاها قوى وأحزاب وزعامات سياسية تشارك بعضها أو توفر لها الحماية، أو كلا الأمرَين.

ولذلك، لم نعد نستغرب عندما نجد الفاسدين مسيطرين على حركة الأموال والنشاط الاقتصادي والاستثمارات، ما دامت الحماية السياسية متوفرة لهم. والحكومة تحوّلت مهمّتها إلى تسهيل صفقات وتعامل مافيات الفساد مع القوى السلطويّة، وليست حماية أموال الدولة أو ضمان عدم وصول يد السارقين إليها بسهولة. إذ في العراق فقط، تجد سرّاقَ المال العام الذي تنكشف سرقاتهم أمام الشعب ويعترفون بها أمام القضاء. ومن ثمَّ، تأتي الحكومةُ بدلاً مِن ملاحقتهم تعمد إلى الدخول في صفقات معهم، وتكون ضامنةً لإطلاق سراحهم في مقابل ادعاء استرجاع نسبة ضئيلة جدّاً مِن المبالغ المسروقة! 

لا تريد زعامات قوى السلطة الاعتراف بأنَّ العشرين عامًا الماضية مِن فترة حكمها، كانت نتيجتها أن يعاني الاقتصاد العراقي من انعدام الرؤية الاقتصادية، وغياب سياسة مالية حكيمة، وعدم وجود تصرفات انفاق رشيدة، وانعدام فاعلية وكفاءة السياسة النقدية. وبدلاً من الاعتراف بالفشل، نجد التبريرات القائمة على نظرية المؤامرة جاهزة في كلّ مناسبة أو أزمة اقتصادية. 

وفي الوقت الذي ينتظر العراقيون فيه حلولاً عمليّة لمشاكلهم الاقتصادية والارتقاء بمستوى معيشتهم، يصرّح أحدٌ من القيادات السياسية، الذي لم يتمكّن من تشكيل الحكومة مع شركائه والمتحالفين معه إلا بقبول أمريكي واضح لِلعيان متحدّثًا عن عدم وجود استقلال اقتصادي، ومعركتهم اليوم يجب أن تكون "معركة استقلال اقتصادي".  فالأمريكان "يتحكّمون بنا، وارتفاع أسعار الدولار في هذه المرحلة هو جزء مِن المخطَط الأمريكي، وتحت أكذوبة حماية أموال العراق"! 

ولعلَّ الأخطرُ مِن هشاشة الاقتصاد العراقيّ وفشل الطبقة السياسية الحاكمة في إدارة موارد الدولة -وليس الفشل فحسب، بل العجز عن حماية أموال الدولة- هي التبريرات السطحيّة والساذجة لِكلّ الأزمات السياسية على وفق منظور المؤامرة! لا سيما عندما تكون صادرةً مِن القيادات السياسية التي تقف مع حكومة السوداني، إذ بدلاً مِن أن تكون قادرة على إقناع الجمهور بالحلول وبالخطوات المطلوبة لمواجهة التحديات، تتحوّل إلى محطّة لِلسخرية والاستهزاء! 

أزماتنا السياسية والاقتصادية تعود بالأساس إلى تفكير القوى السلطويّة الذي ينحصر بالفهم النمطيّ لِلسلطة في العراق بأنّها أداة لِتوزيع المغانم عظمت أم صغرت. لذلك نجدها تتجاهل تماماً التفكير بالمعالجات والحلول لِلأزمات الاقتصادية، وتنشغل بالصراعات على تقاسم المناصب العليا، وكيف يكون رئيس الحكومة ضامناً لتوزيع تلك المناصب عليها وتحويلها إلى مؤسسات تابعة لهذا الحزب أو ذاك. 

ومشكلة كلّ الحكومات تكمن في اعتقادها بأنَّ العلاقات الخارجية وإمكانية جلب الاستثمارات الأجنبية يمكن أن تحلّ الكثير من المشاكل الاقتصادية ومعالجة الخلل في البنى التحتية، مِن دون توفير البيئة الصحيّة القادرة على تنفيذ مشاريع الاستثمارات الخارجيّة بعيداً عن سطوة قوى الفساد المتغلغلة في جميع مؤسسات الدولة. إذ لا يمكن تجاهل القاعدة العامة التي تحكم الدولَ في علاقاتها الخارجية، والتي تقوم على وفق مبدأ: أنَّ السياسة الخارجية انعكاس وترجمة لِلسياسة الداخلية، فإنْ تمزّقت هذه، تمزّقت تلك.

على وفق هذه القاعدة، لا يمكن التعويل على تصريحات حكومة السوداني التي تتحدّث عن برنامج حكوميّ يضع في أولوياته مكافحة الفساد وتوفير فرص العمل، وتكرار خطابات توجّه الحكومة الواضح في مكافحة الفساد، ووضع الأموال في مكانها الصحيح في مشاريع واضحة وبإجراءات سليمة. إذ ستبقى مجرّد شعارات، إنْ لم تتحوّل إلى برامج عمل واضحة في موازنة 2023، والتي يمكن تبرير تأخرها بأنها دليلٌ واضحٌ على أنَّ هذه الحكومة لا تريد أن تغيّر في نمط إدارة موارد الدولة وتنظيم إنفاقها على وفق رؤية جديدة بعيدة عن تكرار وصفات الحكومات السابقة في إعداد موازنة برامج وليست بنودا. 

على الحكومة والقوى السياسية التي تقف خلفها أن تدرك أنَّ التصدي لمواجهة أزمة ارتفاع سعر صرف الدولار يحتاج إلى استراتيجية واضحة وأدوات فاعلة، ستكون نتائجها أولى الخطوات الحقيقية لمحاربة الفساد بعيداً عن الوعود الفارغة والخطابات الشعبوية، وسيكون محطّة اختبار حقيقي لها في مواجهة تغوّل مافيات مزاد بيع العملة الذي وفّر غطاءً شرعيّاً لِكلّ عمليات تهريب الدولار إلى خارج العراق.

إنَّ العجز عن إدارة هذه الأزمة سيكون أوّل مسمار يُدَقّ في نعش هذه الحكومة التي سيتخلّى عنها حلفاؤُها في أوّل مواجهة مع الجمهور الذي يتنظر تحسين واقعه الخدميّ والمعاشي وليس إدخاله في محنة توفير لقمة العيش. 

وبما أنَّ الكثير مِن القوى السياسية التي شكلّت الحكومة تعود في خلفياتها الأيديولوجية إلى الإسلام السياسي، فهي لا تمتلك حلولاً لمواجهة الأزمات الاقتصادية التي تقف على الأبواب إلّا التوجّه بالدعاء إلى الله عزَّ وجل مِن أجل أن تبقى أسعار النفط مرتفعة، لضمان عدم الدخول في أزمتَين معقّدتَين: ارتفاع سعر صرف الدولار، وانخفاض سعر النفط.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.