تمر تونس بأزمة سياسية منذ أن قرر قيس سعيّد صيف العام 2021 احتكار السلطات في البلاد
تمر تونس بأزمة سياسية منذ أن قرر قيس سعيّد صيف العام 2021 احتكار السلطات في البلاد

في وصف حالنا الاقتصادي – الاجتماعي المتدهور، تتعدد التسميات والتوصيفات: أزمة اقتصادية، ضائقة اقتصادية – اجتماعية، خانقة مالية...تستوي في هذا الحال دول عربية عدة، ببعض دول الجوار الإقليمي كتركيا وإيران، وإن بأشكال وأقدار متفاوتة بالطبع.

السمة العامة التي تميز هذه الحفنة من الدول، هي الانهيارات المتتالية لعملاتها الوطنية، آخر حلقات الانهيار أصابت الجنيه المصري، قبله كانت الليرتان السورية واللبنانية تعانيان "سقوطاً حراً" أفقدهما أكثر من 90 بالمئة من قيمتيهما، الليرة التركية كانت في صدارة الأخبار طول العامين الفائتين، بسبب تآكلها المتسارع أمام الدولار، اليوم يواجه التومان الإيراني مصير الليرة اللبنانية...ثمة عملات وطنية في الصومال والسودان، لا داعي للإتيان على ذكرها، بعد أن باتت لا تساوي الأحبار والأوراق التي تطبع بها.

تلكم ظاهرة لم تعد تُقرأ بأرقام الاقتصاد الكلي أو الجزئي، الماكرو أو المايكرو، بل باتت تحتاج لقاموس "الأمن القومي" لاستلال المفردات والفرضيات اللائقة بتوصيفها وتحليلها والنظر في أثرها وتداعياتها ... ذلكم عامل تغيير أساسي “Game Changer”، لم تعد تنفع معه، تحليلات خبراء المال والأسهم والأسواق، ولا عروض رجالات "التكنوقراط" حليقي الرؤوس، المسألة باتت تندرج في حسابات الأمن القومي.

من دون الأزمة/الضائقة الاقتصادية – الاجتماعية، وانهيارات الليرة التركية المتلاحقة، ما كان بالإمكان تصور سلسلة الاستدارات التي استحدثها أردوغان وحزبه الحاكم في السياسة الخارجية لتركيا خلال العامين الفائتين، فتنقلها من خندق القطع والقطيعة مع كل من مصر والإمارات والسعودية وإسرائيل وسوريا، إلى ضفاف الصداقة والشراكة مع خصوم الأمس وأعدائه...تركيا تتغير من الداخل، وسياساتها الخارجية هي انعكاس و"رجع صدى" لسياستها الداخلية.

من دون أثر الأزمة الاقتصادية وسقوط التومان، ما كان بالإمكان، تصور أن تصبح مهسا أميني "بوعزيزي إيران"، ولما اندلعت انتفاضة "مرأة، حياة، حرية" في الجمهورية الإسلامية، ولما دخلت البلاد في نفق كلفها حتى الآن، أكثر من 500 قتيل وأضعاف أضعافهم من الجرحى، وما يقرب من 20 ألف معتقل، وبقية القصة معروفة والحبل على الجرار....إيران بعد الأحداث الأخيرة، لن تظل على ما كانت عليه، والاحتجاجات إن عجزت عن تغيير النظام، فإن النظام سيعجز عن الاستمرار بالحكم بأدواته القديمة...إيران تتغير من الداخل، والسياسة الداخلية هي من سيقرر شكل وحدود وأبعاد ومجالات السياسة الخارجية الحيوية، تماماً مثلما هو الحال في تركيا.

في الأردن، لم يطرأ ما يمس الدينار، حتى الآن على الأقل من حسن الطالع، لكن الأردنيين يتقلبون على جمر البطالة والفقر وتآكل الأجور ونقص الخدمات والثمرات...الديون تفوق ناتجه الإجمالي بكثير، وخدماتها تستنزف الموازنة وتُدخلها في نفق الاستدانة لتسديد خدمات الدين، والأحداث الأخيرة التي انطلقت من الجنوب وقطاع النقل، أوصلت البلاد إلى حافة خطرة، غير مسبوقة، والجمر ما زال متقداً تحت الرماد، والأمل بحلول وشيكة، بات "ترفاً" لا يقوى عليه الأردني، مسؤولاً كان أم مواطناً.

في مصر، تقف البلاد على شفا هاوية من الانفجار، حتى أنصار السيسي وأكثر المتحمسين لتجربته في الحكم، باتوا يجأرون بمر الشكوى والخذلان...ارقام الاقتصاد الكلي الباعثة على التفاؤل، لا تعني أن الغالبية الساحقة من المواطنين، قد تذوقوا ثمار التنمية، وأحسوا بالفارق ... التدهور الاقتصادي والمالي المتسارع، معطوفاً على انحباس سياسي وأزمة حريات ومجال عام، تنذر بإعادة انتاج سيناريو يناير 2011، وإن بأشكال ومحركات جديدة، وربما بمآلات مختلفة.

تونس ليست أفضل حالاً، انفراجها السياسي خلال عشرية الربيع العربي، كان بمثابة "التعويض" عن فشل تجربة التنمية والنمو...اليوم اختناق اقتصادي ومالي، وانحباس سياسي، وميل جارف للديكتاتورية وشعبوية مقيتة، غير مسليّة أبداً من الطراز "الترامبي"، الانفجار في تونس مسألة وقت، وربما بانتظار "بوعزيزي 2".

أحوال سوريا ولبنان، المغرب وموريتانيا، ليست أفضل حالاً، وربما يمكننا إدراج الجزائر والعراق وليبيا، رغم عضويتها في "نادي النفط والغاز" إلى قائمة الدول المرشحة لموجات جديدة من الاحتجاج والانتفاض والثورة، وثمة أسباب إضافية في كل بلد من هذه البلدان، قد يسرع أو يبطئ مسارات الانحدار إلى قعر الهاوية.

إنه الاقتصاد، يا غبي!

عبارة أطلقها قبل ثلاثين عاماً جيمس كارفيل، المستشار الاستراتيجي لحملة كلينتون الانتخابية، وهو يصوغ شعار الحملة المركزي في مواجهة حملة جورج بوش (الأب)، واضعاً الناخب الأمريكي أمام واحدٍ من خيارين: التغيير أو المزيد من الشيء ذاته...لم تشفع للرئيس الجمهوري خبرته وانتصاراته في الحرب الباردة وتحرير الكويت، خسر جورج بوش وربح بيل كلنتون، في معركة ميدانها الاقتصاد والخدمات والصحة.

إنه الاقتصاد، يا أغبياء!

عبارة تستحق أن يخاطب بها الحاكم الديكتاتور، الفاسد والمُفسد، والمستنسخ في عدد من القصور الملكية والجمهورية، في عدة عواصم عربية، وكذا في بعض عواصم الجوار...إنه الاقتصاد الذي يتحول يوماً إثر آخر، إلى واحدٍ من أهم مهددات الأمن القومي، وربما يكون الشرارة التي ستشعل سهل الموجة الثالثة من موجات الربيع العربي.

يرونها بعيدة ونراها قريبة، فبقاء الحال من المحال، فالمواطنين العرب الذي ارتضوا مرغمين التخلي عن حقهم في اختيار قادتهم ورسم مستقبلهم، وأجبروا على التنازل عن حقوقهم المدنية والسياسية نظير بقائهم على قيد الحياة، وتأمين لقمة عيش لأسرهم، باتت ظهورهم إلى جدار، ولم يعد لديهم ما يفقدونه سوى قيودهم وأغلالهم...لقمة عيش بعيدة المنال، ورغيف خبز تتناقص سعراته وترتفع أسعاره...لم يعد لدى قطاعات متزايدة من المواطنين العرب، ما يخسرونه أو يخشون عليه، وتلكم هي المقدمة الضرورية للانفجار، أياَ كان الشكل الذي سيأخذه أو الطريق الذي سيسلكه.

نحن لا نعرف ما إن كانت الشعوب العربية، وأجيالها الشابة على وجه الخصوص، قد استوعبت دروس الفشل والهزيمة في المعارك مع الثورات المضادة في عشرية الربيع العربي، ولسنا على يقين ما إن كانت احتجاجات الموجة الثالثة، ستكون سلمية ومنظمة، أم عنيفة وفوضوية، كل الاحتمالات واردة، لكن السيناريو المرجح، حتى لا نقول المؤكد، أن التغيير يقرع الأبواب، إذ حتى "المزيد من الشيء ذاته"، لم يعد خياراً ممكنا في حالات عربية عديدة، سيما بعد أن فقد الأنظمة والحكومات قدرتها على تقديم "المزيد من الشيء ذاته".

وهيهات أن يأخذ التغيير في ظلال "السلالات" و"الجنرالات"، طابعاً سلمياً متدرجاً وتوافقياً، إذ غالباً ما تفضي المطالبة به إلى استعصاء، والاستعصاء عادة ما يفضي إلى التغيير بالثورة...موجة ثالثة من ثورات الربيع العربي، تقرع الأبواب، وإن كنا لا نعرف من أين ستنطلق شرارتها الأولى، وأثر "مبدأ الدومينو"، والأشكال التي ستأخذها والمديات التي ستصل إليها، لكنها آتية لا محالة، فلا شيء في الأفق، يشي بإرهاصات انفراج أو حلول أو حتى "حلحلة".
 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.