عامان على انفجار بيروت دون إدانة
عامان على انفجار بيروت دون إدانة

ما لم تدركه منظومة السلطة الحاكمة في لبنان بكل أجهزتها القضائية والتشريعية والأمنية أنها لو تمكنت من صناعة المستحيل، لن تخرج معافاة من أمراضها العضال، أو بمعنى آخر لو جربت أقصى وأشرس وأعنف وأخطر وأقذر ما تملك من إمكانيات من أجل ردع المواطنين وإعادة فرض هيبتها عليهم، فهي لن تستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

في الزمن اللبناني الجديد الذي تشكل في محطتين أساسيتين ما بين 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 و4 آب (أغسطس) 2021 ، يسير الزمن باتجاه واحد إما العدالة وإما العدالة، حيث تواجه منظومة السلطة صعوبة في إخماد أصوات "التشرينيين" ولو أنها خفتت، "ثورة تشرين" التي نجحت في تحقيق خطوات عديدة في مسيرة التغيير الطويلة والمعقدة والشائكة وباتت ممكنة مهما بلغت الإخفاقات، كما أن السلطة وبكل ما سخر لديها من أدوات قضائية وأمنية لم تنجح في كسر إرادة أهالي ضحايا انفجار المرفأ بهدف طمس الحقيقة ومنع تحقيق العدالة، حيث بات تبليط البحر أهون عليها من إسكات "التشرينيين" وطمس جريمة المرفأ.

في الزمن اللبناني الجديد ما بين انتفاضة وانفجار، نجح جمع كبير من المواطنين من شمال لبنان إلى جنوبه في إسقاط مقدسات السلطة والأحزاب والطوائف والجماعات التي اعتبرت نفسها فوق الدولة والقانون والاجتماع وقرروا كسر هيبتها واحتكارها وتحديها. 

ففي المواجهة المفتوحة ما بين المنظومة وزبانيتها من جهة وأغلب اللبنانيين من جهة أخرى، تحتشد الطوائف في داخلها وتحتشد ضد بعضها، تُمسك الأحزاب باتباعها وتتماسك ضد بعضها، نتيجة قلق وارتباك من عصيان في داخلها أو عصيان جديد عليها، من موجة تشرينية ثانية داخل بيوتها تحطم جدارا وهميا بنته بتحريض وترهيب وترغيب لتصمّ أذان اتباعها عن هتاف المواطنين في شوارع وساحات أغلب المدن اللبنانية من أجل الحرية والعدالة والمحاسبة.

بين صعود وهبوط، ومدّ وجزر في المواجهة بين المنظومة الحاكمة والانتفاضة، اعتقدت السلطة أنها استعادة زمام المبادرة وبأن من خرجوا إلى الشارع ذات تشرين إما هاجروا أو أحبطوا، ومن تجرأ وخرج عن طاعتها في الانتخابات البرلمانية علانية أو سرا قد ندم وفشل، والوقت مناسب لمعاقبتهم، معتقدة أنها لم تزل تحتفظ بسطوتها داخل مؤسسات الدولة أو خارجها، لكنها صُدمت من رد الفعل فتراجعت. 

وهذا لا يعني أنها ستتوقف عن أفعالها الرديئة، بل على الأغلب ستغير خططها، أو ستستخدم، في المواجهة المقبلة مع التشرينيين وأهالي ضحايا انفجار المرفأ أدوات أخرى ليس بالضرورة من داخل مؤسسات الدولة، خصوصا بعدما لمس صناع قرارها أن ليس كل القضاء فاسدا أو تابعا - حتى لو اعترف وزير الداخلية السابق بأن 95% منهم كذلك، وأن ليست كافة الأجهزة الأمنية مهمتها حماية السلطة، وأنها أداة فقط لقمع الناس والتضييق عليهم بالرغم من الشوائب والأخطاء الفادحة في عمل بعضها.

 منذ 19 تشرين الأول، تروج السلطة لفكرة أن "ثورة تشرين" هدمت الدولة بمؤسساتها، وأنها مشروع فتنة سيؤدي إلى فوضى أهلية، لذلك يجب إخمادها والتعامل معها كمؤامرة خارجية تنفذها أياد لبنانية، لكن الحقيقية أن المواطن أكان مع "تشرين" أو ضدها، حزبيا أو مستقلا، متعصبا أو معتدلا، متدينا أو علمانيا، إلا المتعصب مذهبيا أو حزبيا، لا يمكن أن يسكت عن القضاء أو الأمن إذا استجاب لضغوط السلطة ومن يقف خلفها في ملاحقة المواطنين المطالبين بحقوقهم، وغض الطرف عن الفاسدين والمرتشين والمتآمرين، فهذا ليس عدلا وليس أمنًا، واستمراره سيؤدي إلى ما تخطط له المنظومة  أي انتقال المواجهة بينها وبين المواطنين إلى  مواجهة ما بين المواطنين ومؤسسات الدولة.    

 ولأن الإحباط ليس قدرا، فشلت المنظومة في المواجهة الأخيرة ما بين أهالي ضحايا انفجار المرفأ وبين مؤسسات الدولة القضائية والأمنية بالتحكم بقدر اللبنانيين، ويمكن توجيه الشكر لتعنتها بأنها أعادت تنبيه اللبنانيين إلى حجم خطرها، فما حدث ليل 13 و14 من هذا الشهر جاء عكس مخططاتها، فاضطرت إلى التراجع خوفا من اتساع التمرد وعودة الناس إلى الشارع، وهي باتت تعلم أن أي خطوة ناقصة جديدة منها لن تكون مضمونة النتائج، فما يجب أن تفهمه من المواجهة الأخيرة أن ضحايا المرفأ ليسوا "فدا.... أحد"، لذلك يصح القول الشعبي "روحوا بلطوا البحر".
 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.