صورة تعبيرية من قرية السقاعي على بعد نحو 57 كيلومترا شمال العاصمة الخرطوم
صورة تعبيرية من قرية السقاعي على بعد نحو 57 كيلومترا شمال العاصمة الخرطوم

منذ سقوط نظام حكم جماعة الإخوان المسلمين بالثورة الشعبية في أبريل 2019 تبنت الجماعة حملة دعائية فحواها أن الحكم الانتقالي تُسيِّرهُ قوى أجنبية وتفاقمت الحملة بعد توقيع الاتفاق السياسي الإطاري بين المدنيين والعسكريين الذي تم وصفه بأنه لا يعكس الإرادة السودانية ويمثل انتهاكا صارخاً للسيادة الوطنية. 

وقبل الخوض في تعرية هذه الدعاية الإخوانية، يجب التأكيد على أن عالم اليوم أصبح متشابكاً ومتداخلاً بشكل غير مسبوق، وأنه لا يمكن لدولة تتطلع لأن تصبح عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي أن تعيش في عزلة عن الدول المؤثرة في إقليمها وعلى صعيد العالم، وبالتالي فإن التفاعل مع العالم من أجل خدمة الأجندة الوطنية لا يجب أن يُنظر إليه وكأنه انتقاص من السيادة أو خضوع للقوى الخارجية.

غير أن نظرة سريعة لسجل جماعة الإخوان توضح بجلاء أن التدخل الخارجي في الشؤون السودانية قد بلغ مداهُ الأقصى في ظل فترة حكم الجماعة الذي استمر لثلاثين عاماً حيث تدلل جميع الشواهد أن البلد لم يشهد طوال فترة الحكم الوطني الذي أعقب خروج المستعمر البريطاني في عام 1956 تدخلاً أجنبياً مثلما حدث أبان حكم الجماعة.

وكذلك تكشف الشواهد أن ذلك التدخل لم يكن تدخلاً حميداً يهدف لخدمة أجندة الوطن، بل كان مرتبطاً بالسياسات الطائشة التي تبناها نظام حكم الجماعة والتي أفرزت الحروب الأهلية الداخلية واحتضان الجماعات الإرهابية فضلاً عن توتر العلاقات والقطيعة مع دول الجوار جراء التدخل السلبي في شؤونها ومحاولات تغيير الأنظمة الحاكمة فيها.

بدأت التدخلات الخارجية في ظل حكم الإخوان بتبني سياسة احتضان التنظيمات المتطرفة التي كان على رأسها "القاعدة" و"الجهاد" عندما استقبل النظام مئات المقاتلين الأجانب وفي مقدمتهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في الفترة من 1991 وحتى 1996 حيث تحول السودان لمنصة انطلاق للعمليات الإرهابية.

وكان من بين تلك الأنشطة الإرهابية عمليتا تفجير سفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام، وهما العمليتان اللتان أدخلتا السودان في مأزق كبير مازال يعاني من أثره حتى اليوم بعد أن تم وضع اسمه ضمن القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب وكان سببا في الحصار الطويل الذي أنهك اقتصاده وأفقر إنسانه.

ليس هذا فحسب، بل قام النظام الإخواني بمنح جوازات سفر سودانية للعشرات من كوادر الجماعات الإسلامية الأجانب حتى يسهل انتقالهم من بلد لأخر، وهو الأمر الذي تسبب في توتر وقطع العلاقات مع العديد من الدول التي ينتمي إليها أعضاء هذه الجماعات.

ومن ناحية أخرى، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حدثت انعطافه كبرى من النظام الإخواني تجاه التقارب مع أميركا والتودد لها، حيث سمح السودان لكل من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي بإرسال مبعوثين للخرطوم، بل وفتح مكتب للتحقيق في الوجود الإرهابي الأجنبي على أراضي البلاد، ومع ذلك لم يتباك الإخوان على ضياع السيادة مثلما يفعلون الآن، فتأمل!

ويتضح التدخل الخارجي في الشأن السوداني في ظل حكم الإخوان بصورة واضحة من خلال صدور 63 قراراً من مجلس الأمن الدولي حول السودان معظمها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو أمرٌ غير مسبوق في تاريخ البلاد وقد خلق من الأمم المتحدة شريكاً شرعياً في الشأن السوداني.

ونتيجة لذلك فقد قبل نظام الإخوان بدخول بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور تحت البند السابع الذي يسمح لها باستخدام القوة العسكرية في أداء مهمتها، كان قوامها 26.000 فرد حيث استمر وجودها في البلاد منذ عام 2007 وحتى عام 2021، كما سمح النظام بدخول قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في منطقة أبيى الحدودية مع جنوب السودان، وهي بعثة قوامها 5000 فرد وتم إرسالها في عام 2011 وما تزال موجودة في البلاد حتى اليوم، فأين كانت السيادة التي يتباكى عليها الإخوان اليوم؟

ويتجلى التناقض الإخواني في حملتهم المضللة ضد بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) والتي جاءت للسودان وفقا للمادة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة، وبتفويض لا يسمح لها باستخدام القوة (على العكس مما كان عليه الحال مع بعثة يوناميد)، بل العمل على دعم ومساندة العملية الانتقالية في البلاد.

وفيما يختص بالدعاية الإخوانية الرخيصة حول تدخل الدول الأجنبية والسفارات في العملية السياسية التي أفضت إلى توقيع الاتفاق الإطاري بين المدنيين والعسكريين في الخامس من ديسمبر الماضي، فتكفي نظرة سريعة على التفاوض التي أجرته حكومة الإخوان مع الحركة الشعبية لتحرير السودان وانتهى بفصل جنوب السودان وقيام دولته المستقلة في عام 2011.

فكما بات معلوماً اليوم، فإن المقترح الرئيسي الذي بنيت عليه تلك المفاوضات استند على التكليف الذي أصدرته إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن بإعداد دراسة تهدف لتسوية مشكلة الحرب الأهلية في السودان، حيث اشترك الدكتور فرانسيس دينق ومدير المركز الدكتور جورج ستيفن في صياغة المقترح الذي أصبح أساساً للتفاوض بين الطرفين.

ليس هذا فحسب، بل كانت الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج (الترويكا) حاضرة في التفاوض بين حكومة الإخوان والحركة الشعبية التي رعتها الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) بدولة كينيا، كما وصل حينها وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول لمقر التفاوض في ضاحية نيفاشا وحث الطرفين على الإسراع في التوصل لاتفاق ووعدهما بأن الرئيس بوش سيستقبلهما في البيت الأبيض ليضيف توقيعه على الاتفاق، فلماذا لم يحدثنا الإخوان حينها عن التدخل الأجنبي؟!

أما ثالثة الأثافي، فقد تمثلت في الحديث الذي أدلى به رأس النظام الإخواني الطاغية المخلوع، عمر البشير، في حضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمنتجع سوشي في الثالث من نوفمبر 2017، حيث دعاه دون مواربة لحمايته من "الأميركان"، وقال (إننا بحاجة للحماية من التصرفات العدائية الأميركية بما فيها منطقة البحر الأحمر)! فلماذا لم نسمع صوتاً للإخوان يندد بهذا الخضوع الكامل للأجنبي وطلب التدخل العسكري في البلد؟

لا شك أن توقيع الاتفاق الإطاري قد شكل صدمة كبيرة للإخوان مما دفعهم لاستخدام مختلف الوسائل لعرقلة التوصل لاتفاق نهائي يتم بموجبه الرجوع للمسار المدني الديمقراطي وإكمال المرحلة الانتقالية، ومن بين تلك الوسائل التشويش على العملية السياسية ودمغها بأنها صناعة أجنبية، وهي فرية لا تقوم على ساقين، وتكذبها جميع الوثائق الموقعة والوقائع الجارية. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.