الخناثى والمثليون والمتحولون هم حالات طبيعية، أي أنهم جزء لا يتجزأ من الواقع الإنساني الطبيعي المتحقق في كل زمان ومكان
الخناثى والمثليون والمتحولون هم حالات طبيعية، أي أنهم جزء لا يتجزأ من الواقع الإنساني الطبيعي المتحقق في كل زمان ومكان

أوقفت الحكومة البريطانية هذا الأسبوع العمل بقانون أصدره مجلس النواب الاسكتلندي يخفّف من الإجراءات المطلوبة من المتحولين جنسياً لتبديل هويتهم الجنسية على الأوراق الثبوتية. فبعد أن كان على الساعي إلى هذا التبديل الحصول على تشخيص طبي بأنه مصاب بحالة اضطراب في الهوية الجنسية، وأن يكون قد بلغ الثامنة عشر من العمر، وأن يكون قد أمضى عامين ملتزماً بهويته الجنسية الجديدة في المسلك والمعاش، راجع القانون الاسكتلندي المتوجبات، مزيلاً المعاينة الطبية مستعيضاً عنها بالإقرار الذاتي، وجاعلاً السنّ الأدنى للتحول السادسة عشر من العمر، ومخفضّاً الفترة الزمنية للالتزام بالهوية الجنسية الجديدة إلى ستة أشهر.

تثير هذه القضية النقاش في مسائل متعددة، بدءاً من التجاذب ضمن المملكة المتحدة بين السلطتين المركزية والمحلية، والرغبة الاسكتلندية المتجددة بالاستقلال، وصولاً إلى القضايا المبدئية حول حقوق المرأة، سواءً من منظار الإقرار بصفة المرأة للمرأة المتحولة، أو من منظار حماية المرأة الأصلية من تطفل رجال يتظاهرون بأنهم نساء على مجالها الخاص.

واقع الأمر أن هذه المواجهة داخل المملكة المتحدة لا تشكل الحالة الوحيدة أو القصوى من التحديات في هذا السياق. معظم الدول الغربية إما قد أقرّت تشريعات لحماية حقوق المتحولين أو هي سائرة نحو إقرارها، مع توسّع ظاهر في مفهوم التحول، جوازه ووجوبه. بل اقترب الحال في كندا من خسارة والدين لولايتهما على طفلهما لرفضهما العمل بتوجيه من مدرسته بالسير نحو تحويله إلى طفلة.

الجلي هو أن المجتمعات الغربية تعالج اليوم مسألة التحول الجنسي على أنها من صميم قضايا حقوق الإنسان. والسؤال الذي قد يطرح فيها، بأقدار من التردد، هو ما إذا كان التوسّع باتجاه الانتصار لحقوق التحول الجنسي هو تأكيد وتثبيت وتعميق لحقوق الإنسان، أم هل هو تشتيت وتضييع لها. التوجه في الغالبية العظمى من الأوساط الحقوقية والتقدمية هو أن اندراج الموضوع في إطار حقوق الإنسان بديهي وتلقائي، بل مجرد طرح السؤال بهذا الشكل يبطن رغبات رجعية، وإن جاءت مقنّعة بشكل تساؤل.

ما يراد له أن يكون موضوع إجماع هو أن ما كان قائماً إلى حين هذا الإجماع المفترَض المستجد، بشأن الجنس والهوية الجنسية كما الميل الجنسي، ليس معيارياً أو قطعياً، بل هو نسبي ومتحول، قابل لصياغات متعددة كلها متساوية في صلاحيتها وصوابها، ورفض الإقرار بذلك هو نتيجة لإملاءات دينية أو اجتماعية قائمة على التفرقة والتمييز، بل على الذكورية والإخضاع والإنكار. الأوجه التطبيقية لهذه القاعدة الحقوقية الجديدة تتجلى مثلاً في رفض القاضية كتانجي براون جاكسون، والتي أصحبت عضواً في المحكمة العليا للولايات المتحدة، في جلسة تثبيتها في منصبها الجديد، أن تجيب على سؤال طلب منها أن تعرّف «ما هي المرأة؟». الهدف من السؤال كان دفع القاضية إلى الاستفاضة بالتعريف إلى ما يتعدى المعنى المعهود ليشمل المتحولات جنسياً، ويغرقها بالتالي في سجال مع الأعضاء المحافظين في مجلس الشيوخ.

نموذج آخر من هذا التوجه هو في العادة المنتشرة في أوساط التقدميين، وغيرهم من الشباب، بإضافة الضمائر إلى أسمائهم لتبيان الصيغة المناسبة لمخاطبتهم. أي أنه لا يجوز الافتراض بأن شخصاً اسمه من أسماء الذكور هو تلقائياً ذكر منهم، بل لا بد من التنبه إلى الضمائر التي تلي الاسم (هو / له) أو (هي / لها) لاستعمال المخاطبة اللائقة. ثم أن الهوية الجنسية للمرء قد لا تكون لا ذكراً ولا أنثى، ومن حق هذا الفرد أن يستعمل صيغة محايدة (مثل المستعملة في الإشارة إلى الجمع، أو إلى الشيء، في اللغة الإنكليزية)، بل له أن يبتكر ما شاء من الضمائر، ومطالبة الملأ باستعمالها عند مخاطبته. فإن فعلوا، فهم على إقرار بحقوقه. أما إن لم يفعلوا، فذلك يشكل تعدياً على شخصه وكرامته وخصوصيته وإنسانيته. وثمة توجيهات ملزمة في أطر مختلفة، ولا سيما منها المدارس والجامعات، تفرض استعمال الضمائر المختارة وتعتبر التمنع عن استعمالها تجاوزاً موجباً للعقاب. لا بد هنا بالتالي من تقديم كامل الاعتذار والتماس العفو والغفران نيابة عن اللغة العربية القاصرة عن التعبير الخارج عن التذكير والتأنيث، والعاجزة عن الإتاحة للمعنيين ممارسة حقهم غير القابل للتصرّف باجتراح الضمائر الجديدة وفرض استعمالها على من شاء ومن أبى.

طبعاً لا. هل لا تكون معالجة التفريط، إذا صحّ تحقّقه، إلا بالإفراط والغلو؟ بدءاً ذي بدء، لا بد من توضيح بعض الوقائع، قبل الانتقال إلى المفاهيم والحقوق.

الأصل للإنسان أنه إما ذكراً أو أنثى. ثمة حالات شاذة نادرة جداً حيث المرء خنثى، أي له الجهازين التناسلين أو بعض منهما. فيما يقارب جميع الحالات، يذهب الخنثى إلى اعتماد إحدى الهويتين الجنسيتين.

والأصل بالميل الجنسي أن الذكر يميل للأنثى، والأنثى للذكر، مع وجود شواذ خاص عن هذه القاعدة العامة، بميل الذكر للذكر أو الأنثى للأنثى. وهو شواذ قليل، لا يتجاوز حتى في التبيّن الرحب الخمسة بالمئة من الناس. والرحابة هنا تعني أن يُدرج ضمن التصنيف المثلي من كان لديه الميل وإن لمرحلة دون غيرها، وإن في سياقات دون أخرى. «المثلية» اصطلاح مستحدث، ولكنه أكثر دقة وأوضح تعبيراً ولا انتقاص فيه من حق المقصود به، في حين أن استعمالات «الشذوذ» و «الشاذين» وما شابه، بالإضافة إلى الإساءة المتعمدة فيها،  فإنها لا تفيد الموضوع.

أما الهوية الجنسية، فثمة ضبابية بالفعل بين الذكورة والأنوثة فيها. ولكنها مجدداً حالات عند الهامش الضيق، قليلة وشاذة عن القاعدة، بشهادة التاريخ بمجمله والمجتمعات الإنسانية كلها. أي لا، مع الاحترام لذوي القناعة بأنهم يخترقون قيود تمييز مستورة، لا معطيات جديدة قد انكشفت لهم. وليست الهويات الجنسية تلقائياً متعددة، وإن بلغت في الحسابات الجديدة الأربعين وما يزيد، بل هي اثنتان وحسب، بإجمال توخي معارضته بالتفصيل المزعوم فيه من التكلف والأهوائيات القدر الكبير.

ثمة حالات، كلها نادرة، للتضارب بالهوية الجنسية قد يرضى بها أصحابها ويتعايشون معها، وحالات أخرى للاضطراب بالهوية الجنسية، ما يتسبب بالضرر النفسي، قابلة في معظم الحالات للمعالجة الناجعة الكفيلة بدفع الهوية الجنسية للانسجام مع الجنس الطبيعي، أو إلى الاستقرار في الحالات القصوى عند البرنامج الطبي الكفيل بتحقيق الانسجام بالجراحة والعقاقير، أي تطويع الجنس الطبيعي للانسجام على الهوية الجنسية المترسخة. وهؤلاء هم المتحولون الصادقون. هم قلة، قليلة، وغالبهم لا يريد هذه الضوضاء ولا يستفيد منها.

للتأكيد، الخناثى والمثليون والمتحولون هم حالات طبيعية، أي أنهم جزء لا يتجزأ من الواقع الإنساني الطبيعي المتحقق في كل زمان ومكان، ولكنهم كذلك حالات شاذة عن القواعد العامة الغالبة واقعاً وعدداً، حيث الأصول هي الذكر والأنثى، وميل كل منهما للآخر، والذكورة والأنوثة المتوافقتين مع الجنس الطبيعي. ليس بوصف حالاتهم بالشاذة، أي بالخارجة عن القاعدة، انتقاص من أشخاصهم. كما في اللغة، حيث في الصيغ والجموع الخارجة عن القاعدة إثراء لفظي ومعنوي، من شأنهم في المجتمع أن يكونوا كذلك.

على أنه شتّان بين هذه الاعتبارات الواقعية، والقائمة على الإقرار بأن الطبيعة الإنسانية تشمل المثلية الجنسية ولا تتعارض مع التحول في الحالات القصوى، وبين المسعى المفتوح إلى الإطاحة بالحقائق، وإنكار الأصول حول الجنس الطبيعي والميل الجنسي والهوية الجنسية، بحجة تحقيق المساواة والحرية.

بل إن هذا المسعى المفتوح ينطلق من مغالطة أن حقوق المتحولين والمثليين مشتقة من ميلهم الجنسي أو هويتهم الجنسية، بدلاً من أن تكون من أشخاصهم، ويبني عليها في خطاب غلاة التقدميين باتجاه افتراض معيارية جديدة استيعابية. أي أن من راودته ولو عرضاً أفكار تشبه المثلية أو التحول، هو مثلي أو متضارب الهوية الجنسية، وعليه بالتالي الارتقاء إلى حقيقته المستجدة، مع افتراض حاسم لقطعيتها. يجري تبرير التشدد هنا بحجة أن قمع المثلية والتضارب في الهوية الجنسية هو الأساس في الوطأة الاجتماعية، ولا بد من معارضتها بإطلاق العنان للمكبوت.

والخطورة هي بأن هذا التصنيف يشمل الأطفال والمراهقين. فالطفل إن مال إلى اللعب بالدمى وغيرها من المؤشرات، ربما الأجدر، على الرأي الذي يزداد انتشاراً وتحققاً، أن يخضع للعلاج الطبي كي تتجلى له هويته الجنسية الأنثوية. والفتاة إن ساءها الإمعان بالتزيين أو إن شعرت بالاضطراب، ربما استحقت أن تستكشف الذكورة المكبوتة في عقلها الباطني. النتيجة هي حالات متراكمة غير مسبوقة عدداً في التاريخ من تشخيصات لأطفال، قد لا يعلمون ما هي الذكورة وما هي الأنوثة، بأنهم يعانون من الاضطراب بالهوية الجنسية، وتجريعهم الأدوية المانعة لبلوغ جنسي يتعارض مع التشخيص الناقض لجنسهم الطبيعي. وتسببت كذلك بما يقارب الجائحة على مستوى المراهقات في بعض الأوساط بالسعي إلى التحول إلى الذكورة وتناول الأدوية لإظهار هذه الذكورة المكبوتة افتراضاً، وصولاً إلى عمليات جراحية للتماثل مع الهوية الجنسية المستجدة.

التحدي الذي تواجهه أوساط الدفاع عن حقوق الإنسان اليوم هو أن الإصرار على إطلاقية المساواة في الهوية الجنسية يتيح المبالغات التي تنتقص من بعض الحقوق العرضية من جهة، حين تتيح مثلاً للرجل المتحول إلى امرأة أن ينافس النساء في الرياضة، فيما هي ترتكب من جهة أخرى ما قد يشكل تجاوزاً فاجعاً للحقوق الأساسية، كما في حالات الأطفال الذين سيقوا باتجاه هوية جنسية جديدة ليكتشفوا في مراحل لاحقة، بعد التمثيل بأجسادهم والتفريط بنموهم، بأنها ليست لهم.

والعواقب لا تقف عند هذا الحد، بل هي أيضاً تفتح الباب أمام مبالغات مستنسخة عن هذا الغلو. ألا يحق للمرء أن يكون كلباً مثلاً؟ يبدو بأن الأمر كذلك في بعض الأوساط المثلية حيث يتقمص أحد الشريكين دور الكلب. لو أن الأمر الاقتصر على الشريكين، فلا بأس بذلك حقيقة، كونه لغط لا يطال إلا أصحابه. على أن مشهد الأطفال في مهرجانات الفخر المثلية، وهم يداعبون هذه الكلاب البشرية، يثير الاستغراب عند الحد الأدنى. ولكن ألا يحق للطفل أيضاً أن يظهر حاجاته الجنسية وصولاً إلى إيفائها؟ ليس هذا سؤالاً نظرياً، بل تطرحه للتوّ مجموعات على أنه الحدود الجديدة للمسعى الحقوقي. كانت القاعدة الحقوقية الراسخة إلى أمس قريب أن الحرية مشروطة بسنّ الرشد. وإذ بالتحوّل يبطل هذه القاعدة بمساهمات تقدمية بل وتشريعية تسحب النظر بحقوق الطفل الجنسية من الوالدين وتضعهما بيد الحق العام، أي المدرسة والدولة والجسم الطبي. وفيما يتعدى الجانب المبدئي حول الأحقية، فإن المعضلة ليست وحسب بنوايا هذه الجهات والتي غالباً ما تدفعها الاعتبارات المصلحية، ولكنها بأنها، منفردة ومجتمعة، ليس صاحبة سجل مطلق باختيار القرارات الناجحة. وأثمان أخطائها هنا إن كانت كذلك باهظة جداً.

لا بد من مناقشة صريحة، بعيدة عن الإفراط والتفريط، وغير مغرضة، لا من جهة المسعى إلى اجتثاث التحول ومعه المثلية وسائر ما يؤذي الحس المحافظ، ولا من جهة العمل على التدرج بطرح مفاهيم وممارسات تقدمية في قصدها ملتبسة في أصولها وتطبيقاتها. والأمل أن تنتهي موجة الغلو الحالية بأن يستقر الخطاب الاجتماعي عند القبول بالتحول، كما المثلية، بما يتوافق مع الوقائع، أي أنها حالات طبيعية، وإن كانت نادرة، دون الانجرار إلى افتراض معيارية لها تقوّض الأصول الاجتماعية القائمة على مدى الأزمان.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.