الخناثى والمثليون والمتحولون هم حالات طبيعية، أي أنهم جزء لا يتجزأ من الواقع الإنساني الطبيعي المتحقق في كل زمان ومكان
الخناثى والمثليون والمتحولون هم حالات طبيعية، أي أنهم جزء لا يتجزأ من الواقع الإنساني الطبيعي المتحقق في كل زمان ومكان

أوقفت الحكومة البريطانية هذا الأسبوع العمل بقانون أصدره مجلس النواب الاسكتلندي يخفّف من الإجراءات المطلوبة من المتحولين جنسياً لتبديل هويتهم الجنسية على الأوراق الثبوتية. فبعد أن كان على الساعي إلى هذا التبديل الحصول على تشخيص طبي بأنه مصاب بحالة اضطراب في الهوية الجنسية، وأن يكون قد بلغ الثامنة عشر من العمر، وأن يكون قد أمضى عامين ملتزماً بهويته الجنسية الجديدة في المسلك والمعاش، راجع القانون الاسكتلندي المتوجبات، مزيلاً المعاينة الطبية مستعيضاً عنها بالإقرار الذاتي، وجاعلاً السنّ الأدنى للتحول السادسة عشر من العمر، ومخفضّاً الفترة الزمنية للالتزام بالهوية الجنسية الجديدة إلى ستة أشهر.

تثير هذه القضية النقاش في مسائل متعددة، بدءاً من التجاذب ضمن المملكة المتحدة بين السلطتين المركزية والمحلية، والرغبة الاسكتلندية المتجددة بالاستقلال، وصولاً إلى القضايا المبدئية حول حقوق المرأة، سواءً من منظار الإقرار بصفة المرأة للمرأة المتحولة، أو من منظار حماية المرأة الأصلية من تطفل رجال يتظاهرون بأنهم نساء على مجالها الخاص.

واقع الأمر أن هذه المواجهة داخل المملكة المتحدة لا تشكل الحالة الوحيدة أو القصوى من التحديات في هذا السياق. معظم الدول الغربية إما قد أقرّت تشريعات لحماية حقوق المتحولين أو هي سائرة نحو إقرارها، مع توسّع ظاهر في مفهوم التحول، جوازه ووجوبه. بل اقترب الحال في كندا من خسارة والدين لولايتهما على طفلهما لرفضهما العمل بتوجيه من مدرسته بالسير نحو تحويله إلى طفلة.

الجلي هو أن المجتمعات الغربية تعالج اليوم مسألة التحول الجنسي على أنها من صميم قضايا حقوق الإنسان. والسؤال الذي قد يطرح فيها، بأقدار من التردد، هو ما إذا كان التوسّع باتجاه الانتصار لحقوق التحول الجنسي هو تأكيد وتثبيت وتعميق لحقوق الإنسان، أم هل هو تشتيت وتضييع لها. التوجه في الغالبية العظمى من الأوساط الحقوقية والتقدمية هو أن اندراج الموضوع في إطار حقوق الإنسان بديهي وتلقائي، بل مجرد طرح السؤال بهذا الشكل يبطن رغبات رجعية، وإن جاءت مقنّعة بشكل تساؤل.

ما يراد له أن يكون موضوع إجماع هو أن ما كان قائماً إلى حين هذا الإجماع المفترَض المستجد، بشأن الجنس والهوية الجنسية كما الميل الجنسي، ليس معيارياً أو قطعياً، بل هو نسبي ومتحول، قابل لصياغات متعددة كلها متساوية في صلاحيتها وصوابها، ورفض الإقرار بذلك هو نتيجة لإملاءات دينية أو اجتماعية قائمة على التفرقة والتمييز، بل على الذكورية والإخضاع والإنكار. الأوجه التطبيقية لهذه القاعدة الحقوقية الجديدة تتجلى مثلاً في رفض القاضية كتانجي براون جاكسون، والتي أصحبت عضواً في المحكمة العليا للولايات المتحدة، في جلسة تثبيتها في منصبها الجديد، أن تجيب على سؤال طلب منها أن تعرّف «ما هي المرأة؟». الهدف من السؤال كان دفع القاضية إلى الاستفاضة بالتعريف إلى ما يتعدى المعنى المعهود ليشمل المتحولات جنسياً، ويغرقها بالتالي في سجال مع الأعضاء المحافظين في مجلس الشيوخ.

نموذج آخر من هذا التوجه هو في العادة المنتشرة في أوساط التقدميين، وغيرهم من الشباب، بإضافة الضمائر إلى أسمائهم لتبيان الصيغة المناسبة لمخاطبتهم. أي أنه لا يجوز الافتراض بأن شخصاً اسمه من أسماء الذكور هو تلقائياً ذكر منهم، بل لا بد من التنبه إلى الضمائر التي تلي الاسم (هو / له) أو (هي / لها) لاستعمال المخاطبة اللائقة. ثم أن الهوية الجنسية للمرء قد لا تكون لا ذكراً ولا أنثى، ومن حق هذا الفرد أن يستعمل صيغة محايدة (مثل المستعملة في الإشارة إلى الجمع، أو إلى الشيء، في اللغة الإنكليزية)، بل له أن يبتكر ما شاء من الضمائر، ومطالبة الملأ باستعمالها عند مخاطبته. فإن فعلوا، فهم على إقرار بحقوقه. أما إن لم يفعلوا، فذلك يشكل تعدياً على شخصه وكرامته وخصوصيته وإنسانيته. وثمة توجيهات ملزمة في أطر مختلفة، ولا سيما منها المدارس والجامعات، تفرض استعمال الضمائر المختارة وتعتبر التمنع عن استعمالها تجاوزاً موجباً للعقاب. لا بد هنا بالتالي من تقديم كامل الاعتذار والتماس العفو والغفران نيابة عن اللغة العربية القاصرة عن التعبير الخارج عن التذكير والتأنيث، والعاجزة عن الإتاحة للمعنيين ممارسة حقهم غير القابل للتصرّف باجتراح الضمائر الجديدة وفرض استعمالها على من شاء ومن أبى.

طبعاً لا. هل لا تكون معالجة التفريط، إذا صحّ تحقّقه، إلا بالإفراط والغلو؟ بدءاً ذي بدء، لا بد من توضيح بعض الوقائع، قبل الانتقال إلى المفاهيم والحقوق.

الأصل للإنسان أنه إما ذكراً أو أنثى. ثمة حالات شاذة نادرة جداً حيث المرء خنثى، أي له الجهازين التناسلين أو بعض منهما. فيما يقارب جميع الحالات، يذهب الخنثى إلى اعتماد إحدى الهويتين الجنسيتين.

والأصل بالميل الجنسي أن الذكر يميل للأنثى، والأنثى للذكر، مع وجود شواذ خاص عن هذه القاعدة العامة، بميل الذكر للذكر أو الأنثى للأنثى. وهو شواذ قليل، لا يتجاوز حتى في التبيّن الرحب الخمسة بالمئة من الناس. والرحابة هنا تعني أن يُدرج ضمن التصنيف المثلي من كان لديه الميل وإن لمرحلة دون غيرها، وإن في سياقات دون أخرى. «المثلية» اصطلاح مستحدث، ولكنه أكثر دقة وأوضح تعبيراً ولا انتقاص فيه من حق المقصود به، في حين أن استعمالات «الشذوذ» و «الشاذين» وما شابه، بالإضافة إلى الإساءة المتعمدة فيها،  فإنها لا تفيد الموضوع.

أما الهوية الجنسية، فثمة ضبابية بالفعل بين الذكورة والأنوثة فيها. ولكنها مجدداً حالات عند الهامش الضيق، قليلة وشاذة عن القاعدة، بشهادة التاريخ بمجمله والمجتمعات الإنسانية كلها. أي لا، مع الاحترام لذوي القناعة بأنهم يخترقون قيود تمييز مستورة، لا معطيات جديدة قد انكشفت لهم. وليست الهويات الجنسية تلقائياً متعددة، وإن بلغت في الحسابات الجديدة الأربعين وما يزيد، بل هي اثنتان وحسب، بإجمال توخي معارضته بالتفصيل المزعوم فيه من التكلف والأهوائيات القدر الكبير.

ثمة حالات، كلها نادرة، للتضارب بالهوية الجنسية قد يرضى بها أصحابها ويتعايشون معها، وحالات أخرى للاضطراب بالهوية الجنسية، ما يتسبب بالضرر النفسي، قابلة في معظم الحالات للمعالجة الناجعة الكفيلة بدفع الهوية الجنسية للانسجام مع الجنس الطبيعي، أو إلى الاستقرار في الحالات القصوى عند البرنامج الطبي الكفيل بتحقيق الانسجام بالجراحة والعقاقير، أي تطويع الجنس الطبيعي للانسجام على الهوية الجنسية المترسخة. وهؤلاء هم المتحولون الصادقون. هم قلة، قليلة، وغالبهم لا يريد هذه الضوضاء ولا يستفيد منها.

للتأكيد، الخناثى والمثليون والمتحولون هم حالات طبيعية، أي أنهم جزء لا يتجزأ من الواقع الإنساني الطبيعي المتحقق في كل زمان ومكان، ولكنهم كذلك حالات شاذة عن القواعد العامة الغالبة واقعاً وعدداً، حيث الأصول هي الذكر والأنثى، وميل كل منهما للآخر، والذكورة والأنوثة المتوافقتين مع الجنس الطبيعي. ليس بوصف حالاتهم بالشاذة، أي بالخارجة عن القاعدة، انتقاص من أشخاصهم. كما في اللغة، حيث في الصيغ والجموع الخارجة عن القاعدة إثراء لفظي ومعنوي، من شأنهم في المجتمع أن يكونوا كذلك.

على أنه شتّان بين هذه الاعتبارات الواقعية، والقائمة على الإقرار بأن الطبيعة الإنسانية تشمل المثلية الجنسية ولا تتعارض مع التحول في الحالات القصوى، وبين المسعى المفتوح إلى الإطاحة بالحقائق، وإنكار الأصول حول الجنس الطبيعي والميل الجنسي والهوية الجنسية، بحجة تحقيق المساواة والحرية.

بل إن هذا المسعى المفتوح ينطلق من مغالطة أن حقوق المتحولين والمثليين مشتقة من ميلهم الجنسي أو هويتهم الجنسية، بدلاً من أن تكون من أشخاصهم، ويبني عليها في خطاب غلاة التقدميين باتجاه افتراض معيارية جديدة استيعابية. أي أن من راودته ولو عرضاً أفكار تشبه المثلية أو التحول، هو مثلي أو متضارب الهوية الجنسية، وعليه بالتالي الارتقاء إلى حقيقته المستجدة، مع افتراض حاسم لقطعيتها. يجري تبرير التشدد هنا بحجة أن قمع المثلية والتضارب في الهوية الجنسية هو الأساس في الوطأة الاجتماعية، ولا بد من معارضتها بإطلاق العنان للمكبوت.

والخطورة هي بأن هذا التصنيف يشمل الأطفال والمراهقين. فالطفل إن مال إلى اللعب بالدمى وغيرها من المؤشرات، ربما الأجدر، على الرأي الذي يزداد انتشاراً وتحققاً، أن يخضع للعلاج الطبي كي تتجلى له هويته الجنسية الأنثوية. والفتاة إن ساءها الإمعان بالتزيين أو إن شعرت بالاضطراب، ربما استحقت أن تستكشف الذكورة المكبوتة في عقلها الباطني. النتيجة هي حالات متراكمة غير مسبوقة عدداً في التاريخ من تشخيصات لأطفال، قد لا يعلمون ما هي الذكورة وما هي الأنوثة، بأنهم يعانون من الاضطراب بالهوية الجنسية، وتجريعهم الأدوية المانعة لبلوغ جنسي يتعارض مع التشخيص الناقض لجنسهم الطبيعي. وتسببت كذلك بما يقارب الجائحة على مستوى المراهقات في بعض الأوساط بالسعي إلى التحول إلى الذكورة وتناول الأدوية لإظهار هذه الذكورة المكبوتة افتراضاً، وصولاً إلى عمليات جراحية للتماثل مع الهوية الجنسية المستجدة.

التحدي الذي تواجهه أوساط الدفاع عن حقوق الإنسان اليوم هو أن الإصرار على إطلاقية المساواة في الهوية الجنسية يتيح المبالغات التي تنتقص من بعض الحقوق العرضية من جهة، حين تتيح مثلاً للرجل المتحول إلى امرأة أن ينافس النساء في الرياضة، فيما هي ترتكب من جهة أخرى ما قد يشكل تجاوزاً فاجعاً للحقوق الأساسية، كما في حالات الأطفال الذين سيقوا باتجاه هوية جنسية جديدة ليكتشفوا في مراحل لاحقة، بعد التمثيل بأجسادهم والتفريط بنموهم، بأنها ليست لهم.

والعواقب لا تقف عند هذا الحد، بل هي أيضاً تفتح الباب أمام مبالغات مستنسخة عن هذا الغلو. ألا يحق للمرء أن يكون كلباً مثلاً؟ يبدو بأن الأمر كذلك في بعض الأوساط المثلية حيث يتقمص أحد الشريكين دور الكلب. لو أن الأمر الاقتصر على الشريكين، فلا بأس بذلك حقيقة، كونه لغط لا يطال إلا أصحابه. على أن مشهد الأطفال في مهرجانات الفخر المثلية، وهم يداعبون هذه الكلاب البشرية، يثير الاستغراب عند الحد الأدنى. ولكن ألا يحق للطفل أيضاً أن يظهر حاجاته الجنسية وصولاً إلى إيفائها؟ ليس هذا سؤالاً نظرياً، بل تطرحه للتوّ مجموعات على أنه الحدود الجديدة للمسعى الحقوقي. كانت القاعدة الحقوقية الراسخة إلى أمس قريب أن الحرية مشروطة بسنّ الرشد. وإذ بالتحوّل يبطل هذه القاعدة بمساهمات تقدمية بل وتشريعية تسحب النظر بحقوق الطفل الجنسية من الوالدين وتضعهما بيد الحق العام، أي المدرسة والدولة والجسم الطبي. وفيما يتعدى الجانب المبدئي حول الأحقية، فإن المعضلة ليست وحسب بنوايا هذه الجهات والتي غالباً ما تدفعها الاعتبارات المصلحية، ولكنها بأنها، منفردة ومجتمعة، ليس صاحبة سجل مطلق باختيار القرارات الناجحة. وأثمان أخطائها هنا إن كانت كذلك باهظة جداً.

لا بد من مناقشة صريحة، بعيدة عن الإفراط والتفريط، وغير مغرضة، لا من جهة المسعى إلى اجتثاث التحول ومعه المثلية وسائر ما يؤذي الحس المحافظ، ولا من جهة العمل على التدرج بطرح مفاهيم وممارسات تقدمية في قصدها ملتبسة في أصولها وتطبيقاتها. والأمل أن تنتهي موجة الغلو الحالية بأن يستقر الخطاب الاجتماعي عند القبول بالتحول، كما المثلية، بما يتوافق مع الوقائع، أي أنها حالات طبيعية، وإن كانت نادرة، دون الانجرار إلى افتراض معيارية لها تقوّض الأصول الاجتماعية القائمة على مدى الأزمان.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.