لبنان الذي تحكمه "المقاومة"، وتشترط أن يكون رئيسه جزءاً من منظومتها، هو اليوم أقرب إلى حلبة سيرك هزيل ومبتذل. ما يجري مع القضاة الأوروبيين الذين باشروا تحقيقاتهم مع شخصيات مصرفية، يكشف عن حجم الهزال الذي يمسك بجمهورية حزب الله، على رغم عدم العلاقة المباشرة بين الحزب وبين ملفات رياض سلامة، ذاك أن العلاقة ضمنية، وما تتضمنه الملفات هو وقائع فساد طبعاً، لكن أيضاً الوقائع التي تنطوي عليها حقيقة تمويل سلامة جمهورية الحزب وحكومات الحزب ونظام الحزب.
لبنان اليوم مكشوف أمام القضاء الأوروبي. في سوريا مثلاً وقائع فساد موازية ومعلنة، إلا أنها ليست تحت مجهر قضاة أوروبيين. لا يخفف ذلك من فظاعتها، إلا أنه يبقي الفضيحة في سياقها السوري، أما في الحالة اللبنانية فللفضيحة أروقتها الدولية. تخيلوا مثلاً أن القضاة الأوروبيين عندما وصلوا إلى قصر العدل في بيروت، قيل لهم أن الحاجب الذي بحوزته مفاتيح الأرشيف غادر، وأن منزله بعيد، وأن عليهم الانتظار حتى يوم غدٍ! هذا ما جرى فعلاً. تخيلوا مثلاً أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي نصح أحد الديبلوماسيين الأوروبيين بتأجيل زيارة القضاة الأوروبيين لأن القاضي اللبناني غسان عويدات يريد إجراء جراحة في عينه!
لم يعد أمام المنظومة السياسية إلا الهراء لتواجه به استحقاقات المحاسبة الدولية. الهراء وحده، يدفع بسياسيين وقضاة ومصرفيين إلى مواقف هزيلة ومضحكة، لكنها في الحالة اللبنانية جزء من الوقاحة التي تتعاطى بها المنظومة الحاكمة في كل الملفات. لعل آخر الفضائح كان توقيف شقيق أحد ضحايا المرفأ وليم نون، من قبل جهاز أمني يرأسه أحد المطلوبين إلى التحقيق بقضية انفجار المرفأ.
لكننا تجاوزنا هذه الفضيحة "المحلية" إلى فضيحتنا الجديدة. قضاة فرنسيون وألمان ومن اللوكسومبورغ، يقفون مذهولين على أبواب قصر العدل في بيروت. جاءوا للتحقيق بقضية اختلاسات متهم بها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لكن على أبواب هذا القصر يتجمع أيضاً عدد من الفضائح. انفجار المرفأ، وقضية المودعين...
القضاة اللبنانيون في قضية انفجار المرفأ هم أنفسهم القضاة في قضية المودعين وفي قضية تحويلات رياض سلامة إلى الخارج، وهم أيضاً من أوقفوا شقيق الضحية وأبقوا على الجناة المدعى عليهم في الانفجار أحراراً. ولنا أن نتخيل المواجهة بينهم وبين زملائهم الأوروبيين، الذين قدم عدد منهم، لا سيما الفرنسيين، على رغم عدم رغبة السلطات السياسية في بلادهم بقدومهم! هل يمكن لأحد أن يصدق أن مسؤولاً قضائياً لبنانياً قال لهم أن الكهرباء مقطوعة عن قصر العدل وأن عملهم فيه يجب أن ينحصر بالوقت الذي تتيحه أضواء الشمس، فأجاب القضاة بأنهم استعدوا لهذا الاحتمال وأحضروا معهم معدات إنارة خاصة!
لبنان محكوم باستقبال المحققين الأوروبيين، ومحكوم أيضاً بمعايير "دولة المقاومة" لجهة الفساد والهراء. هنا تماماً تكمن المفارقة. الأرجح أن في ذلك معادلة فريدة من نوعها، خضوع لمعايير الدول المارقة تحت مرآة أنظمة المحاسبة والقانون!
لكن ماذا بعد ذلك؟ هل سيتعايش نظام المحاسبة الدولي مع الحقيقة التي يمثلها رياض سلامة وصحبه؟ العالم متعايش مع سلاح حزب الله، على رغم العقوبات ولوائح المطلوبين، فهل ينسحب ذلك على الفساد. يبدو أن ثمة من يقاوم هذا المصير في الغرب، لكن أيضاً ثمة من يدفع باتجاهه. ثمة من يدعونا للتعايش مع الفساد بموازاة تعايشنا مع السلاح غير الشرعي.
القضاة الأوروبيون يقاومون هذا الاحتمال، ويعتبرون أن الفساد اللبناني هو سم في طريقه إلى بلوغ أنظمتهم المالية. رياض سلامة اشترى بأموال مشبوهة عقارات في فرنسا وألمانيا، وهو ما يعتبره القضاة، إذا ما ثبت، عملية تبييض أموال موصوفة. لكن في مقابل هذه الحساسية الحقوقية، ثمة حكومات غربية ومن ورائها شركات استثمار في النفط والغاز وإدارة المرافئ، لا تملك حساسية حيال جماعات الفساد في دول العالم الثالث، مثلما لا تملك حساسية حيال السلاح. النموذج الأوضح عن هؤلاء هو الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، القادم إلى السياسة من العمل المصرفي.
لكن فرنسا ليست ماكرون، والقضاة الفرنسيين ضمن الوفد القضائي الأوروبي الذي قدم إلى لبنان، هم أكثر زملائهم مثابرة في التحقيق بشبهات الفساد، وملفاتهم هي الأكثر صلابة، وبحسب ديبلوماسي غربي فإن احتمال محاكمة سلامة في أوروبا تعني محاكمته في فرنسا التي اشترى فيها عقارات بتحويلات مشكوك لمصادرها، ثم تولى تأجير هذه العقارات لمصرف لبنان!
إذاً يبدو أننا نتجه لتدويل المحاسبة، ومرة أخرى يثبت أن الفساد اللبناني صار فساداً معولماً، وأن مكافحته حاجة للنظام المالي العالمي.

