فيصل بن فرحان
وزير الخارجية السعودي تحدث عن إطار الحوار مع إيران

بعد كلام إيراني كثير عن إبداء المملكة العربية السعوديّة استعدادها لاستئناف الحوار بين البلدين، أطلّ وزير الخارجية السعوديّة الأمير فيصل بن فرحان من "دافوس" السويسريّة، وحدّد، للمرّة الأولى، الإطار الذي تراه الرياض الأنسب لفتح حوار مع طهران.

ما قاله الوزير السعودي ليس مسألة كلاسيكيًّة، إذ إنّ الرؤية التي قدّمها لتطبيع العلاقة مع إيران تتسم بشيء من "الثوريّة"، إذ أعلن:" تواصلنا مع إيران ونحاول إيجاد طريق للحوار. نحن نحاول إيجاد مسار للحوار مع الجميع ونركز على التنمية بدلاً من الشؤون الجيو-سياسية، لأنّ ذلك يعطي إشارة قوية لإيران ولآخرين بأن هناك مسارات أخرى للرخاء المشترك".

إنّ كلام وزير الخارجية السعودي، بغض النظر عن الرسالة التي يحملها في طيّاته الى رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو عن شروط التجاوب مع دعواته "السلميّة"، يفيد بأنّ تطبيع العلاقات مع إيران يقتضي بأن يغيّر "نظام الملالي" نظرته الى أمور المنطقة، فيضع جانبًا "الحرس الثوري" ومخططاته التوسعيّة، حيث الأولويّة للشؤون الجيو-سياسيّة، ويعطي الريادة لكيانات الدولة وأجهزة الحكومة، حيث الأولويّة للتنمية ومسارات الرخاء.

وهذا يعني أنّ المملكة العربيّة السعودية تفترض أن تتحوّل إيران من نظام ذي "أدوار خبيثة" في المنطقة الى نظام مؤهّل للبحث مع جيرانه في المصالح المشتركة، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على الجميع، دولًا وحكومات وشعوبًا.

وللوصول الى هذه الأرضية المشتركة للحوار، لا بدّ من أن يعيد النظام الإيراني النظر في نوعيّة تعاطيه مع الدول التي سبق أن اعتبرها مرشد الجمهورية الإسلامية علي الخامنئي " عمقًا استراتيجيًّا" كما هي عليه حال اليمن والعراق ولبنان وسوريا وضمنًا دول مجلس التعاون الخليجي.

وتطمح المملكة العربية السعودية إلى أن ينطلق الحوار مع إيران من خلفيّة مختلفة، بحيث تغيب المخططات التوسعيّة التي تضعها إيران في أولويّاتها وتحضر الخطط التنمويّة، فتصبح إيران في موقع المساعد والمستفيد من الرؤى التنمويّة التي تجهد من أجلها دول مجلس التعاون الخليجي.

وما يطرحه وزير الخارجيّة السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتكامل الى حدّ ما مع إرادة الشعب الإيراني الذي ينتقل من ثورة الى ثورة ومن انتفاضة الى انتفاضة ومن احتجاج الى احتجاج، بسبب سياسات التشدد التي يتبعها النظام الإيراني وتنعكس كوارث على مستوى الحريّات والمال والإقتصاد والخدمات.

ويبدو أنّ هذا الوضوح غير المسبوق في الطرح السعودي يأتي في توقيت "ملائم" فإيران تلمس تراجع تأثيرها الإقليمي والدولي، وهي تشكو من أنّ الدول، بما فيها تلك التي لها قوة وازنة فيها، "تتملّص" بالقدر الممكن منها، كما هي حال العراق الذي بدأ يطرح عناوين تزعجها والنظام السوري الذي تقوده روسيا الى حيث تكمن مصالحها، ناهيك عن تدهور علاقاتها مع "الإتحاد الأوروبي" والتراجع الأميركي الكبير عن "هاجس" إحياء الاتفاق النووي.

ويأتي هذا الطرح السعودي في وقت وجهت فيه الصين ضربة قاسية الى حلفها مع إيران من خلال عقد شراكة استراتيجية مع المملكة العربية السعودية وسائر دول مجلس التعاون الخليجي، وبعد كلام "عدائي" غير مسبوق، صدر عن رئيس كوريا الجنوبية في دولة الإمارات العربية المتحدة أثار الغضب الإيراني.

ولا يفترض أن تكون هناك دولة أكثر اطلاعًا من السعوديّة نفسها على التطورات المحيطة بإيران، وهي التي تواكب عن كثب تطورات التوصّل الى هدنة جديدة في اليمن.

ووفق مصدر دبلوماسيّ أوروبيّ يشارك في فاعليّات "مؤتمر دافوس"، من حيث أطلق ابن فرحان موقفه الخاص بإيران، فإنّ المملكة العربيّة السعوديّة غير معنيّة بتطوير علاقتها مع الجمهوريّة الإسلامية الإيرانيّة، بحلّتها الحاليّة، لاقتناعها بأّنّ ما يقوله الدبلوماسيّون الإيرانيّون لا يلامس حقيقة ما يقدم عليه أصحاب القرار الحقيقيّون في البلاد، ولهذا فإنّ عدم تلمّس تعديلات جذريّة في آليّة اتّخاذ القرار في إيران يعني أنّ الحوار معها كما لم يُجدِ نفعًا في السابق فهو لن يجدي نفعًا لا حاليًا ولا مستقبلًا.

ولكن، هل هذا التغيير المنشود في النظام الإيراني ممكن؟

يجيب الدبلوماسي الإيراني، ضاحكًا:" لا تسخف أبدًا بقدرة النساء على إحداث المعجزات" في إشارة إلى تأثيرات ثورة " المرأة. الحريّة. الحياة" على النظام الإيراني في الداخل وعلى وضعيته في الخارج.

والأصدقاء...أيضًا

إنّ هذا التحوّل في النظرة السعوديّة التي باتت تقوم على مبدأ "التنمية" لا يقتصر على الأعداء (إسرائيل) ولا على الخصوم (إيران) بل يسحب نفسه على الأصدقاء، أيضًا.

وهذا ما ذهب إليه وزير المالية وزير المالية السعودي محمد الجدعان، من دافوس السويسرية أيضًا، إذ أعلن أنّ بلاده تسعى الى تغيير ما اعتدت عليه لجهة تقديم المنح والمساعدات لحلفائها، مباشرة ومن دون شروط، وقال:" إنّ
السعودية تحث دول المنطقة على القيام بإصلاحات، فنحن نفرض ضرائب على شعبنا ونتوقع من الآخرين فعل الأمر نفسه وأن يبذلوا جهدًا، نريد المساعدة لكننا نريد منكم الاضطلاع بدوركم".

وتتعرّض السعوديّة لضغوط من أجل تقديم منح وتوفير مساعدات لعدد من الدول المتعثّرة مثل مصر والأردن ولبنان.

وعليه، فإنّ المملكة العربيّة السعوديّة أصبحت، في مكان ما، أكثر الدول اعتناقًا لمبادئ صندوق النقد الدولي، إذ إنّ كلّ خطواته مرتبطة بمبدأ...التنمية!

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.