الولايات المتحدة تمثل النموذج الليبرالي الغربي
الولايات المتحدة تمثل النموذج الليبرالي الغربي

يتغير الواقع وتتغير معطياته ومع ذلك تظل بعض المفاهيم والتصورات عالقة في فضاء التداول. أحد الأمثلة على ذلك هو الحديث الذي لا ينقطع عن النظام الدولي الجديد والرغبة الجامحة نحو نظام متعدد الأقطاب.

والمقصود بتعدد الأقطاب هو أن الولايات المتحدة لم تعد تحتل المكانة الأولى في العالم وأن هناك دول أخرى إما تنافسها أو تتقدم عليها! 

مثل هذا الحديث يخرج عادة من موسكو ثم يتردد صداه في بعض العواصم العربية ولا سيما تلك المسكونة بنموذج "المستبد" الذي يطعم شعبه الشعارات، ولكنه لا ينسى أن يقدم من حين لآخر بعض الخدمات وبعض المزايا والفوائد التي تجعل من الاستبداد أهون الشرين.

والمحسوبون على هذا النموذج تحديدا هم الأكثر استهواء للحديث عن تعدد الأقطاب لأنهم الأزيد عداء للقيم الليبرالية التي تمثلها الولايات المتحدة والعالم الغربي.

هم يتمنون أن ترتفع النماذج المستبدة في العالم مثل النموذج الصيني أو الروسي إلى مستوى المنافسة مع الولايات المتحدة كي يقال بأن هناك تعدد في الأقطاب وتعدد في النماذج ما لا يستوي معه أن يصار إلى اتباع نموذج واحد أو الاحتكام إلى نموذج واحد.

إنهم يشعرون في قرارة أنفسهم بحجم الضغوط التي تشكلها القيم الليبرالية عليهم وعلى أنظمتهم ومع ذلك لا يستطيعون المجاهرة بتفضيلهم للاستبداد. لذلك يلجؤون إلى الحديث عن تعدد الأقطاب وعن تراجع الدور الأميركي ومكانة الولايات المتحدة في العالم. وهم يعلمون بأن كل هذا الحديث هو من نوع التفكير بالتمني وأنه لا أساس له من الصحة وأن وظيفته الأساسية هي تخفيف الضغوط والتنفيس عن الغضب المكتوم ليس إلا، ولا بأس أيضا من تمرير ذلك إلى الشعوب لعل وعسى أن تقتنع به هي الأخرى. 
 
لكن من سوء حظ هؤلاء أن نماذج الاستبداد لا تستطيع أن تنافس النموذج الليبرالي، حتى الآن على الأقل.

نعم هناك منافسة اقتصادية بين الولايات المتحدة والصين ولكنها ليست منافسة متكافئة (إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة يبلغ حوالي 20 تريليون دولار بينما ناتج الصين لا يزيد على 14 تريليون دولار، في حين يبلغ ناتج روسيا رقما متواضعا وهو قرابة 1.5 تريليون دولار وهي تأتي في المرتبة 11 عالميا).

وصحيح أيضا أن هناك منافسة عسكرية من نوع ما مع روسيا والصين ولكن هذه المنافسة أيضا غير متكافئة، باستثناء حيازة السلاح النووي. 

ففي حين بلغت ميزانية الدفاع الأميركية لهذا العام 778 مليار دولار (وهي أكبر من موازنات الدفاع في كل من الصين والهند وروسيا وبريطانيا والسعودية وألمانيا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة)، فإن ميزانية الدفاع الصينية بلغت 252 مليار دولار وروسيا حوالي 61 مليار دولار.

أما إذا تعلق الأمر بالنظام السياسي فلا توجد منافسة من الأساس حيث إن النموذج الروسي أو الصيني السياسي مفلس ولا يملك أية جاذبية ولديه القليل الذي يستطيع تقديمه للعالم. كذلك لا توجد منافسة في الجانب الأهم وهو الاختراع والابتكار.

فخلال المائة عام الماضية على الأقل فإن كل اختراع أو اكتشاف مهم للبشرية حدث إما في الولايات المتحدة أو أوروبا، وفي العقود الأخيرة أصبحت الولايات المتحدة هي موطن الاختراعات الحديثة بصورة رئيسية.

هذا الكلام أعلاه لا ينفي بالطبع أن النظام الليبرالي الغربي يتعرض لتحديات من حين لآخر وبعضها خطير جدا. لكن هذه التحديات في معظمها تأتي من الداخل وليس من الخارج.

التوجهات الشعبوية أحد هذه التحديات وهناك غيرها، لكن يظل التحدي الأبرز هو ذاك الذي يأتي من التطور العلمي والتكنولوجي وبالتحديد من الذكاء الاصطناعي وعلم البايوتكنولوجي كما يرى (وبعبقرية مذهلة) أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية في القدس يوفال هراري.

فالإنسان وفق العلوم الحديثة هو عبارة عن مجموعة من اللوغاريتمات البايوكيميائية والعقل مكون من أنظمة لوغاريتمية. وأن هذه الأنظمة يمكن التأثير عليها من الخارج واختراقها عبر تطوير لوغاريتمات معينة وبصورة قد تؤثر على خياراتها، كما يحدث اليوم في الحقل الطبي وفي وسائل التواصل الاجتماعي.

وهذا التطور سوف يؤدي إلى إحداث تغير جوهري على مفهوم الفرد ودوره في المجتمع. والمعلوم أن النظام الليبرالي يقوم على أساس الفرد الذي هو مصدر جميع السلطات وعلى الإرادة الحرة للأفراد. إذ سوف يمكن الذكاء الاصطناعي الأجهزة والبرمجيات على مساعدة الإنسان على اتخاذ الكثير من قراراته. وإلى الدرجة التي ستكون فيها شريكة للإنسان في ذلك. فهي سوف تعرف تفضيلاته وميوله ورغباته واتجاهاته ربما أكثر منه نفسه. وبالتالي سوف تتدخل بطريقة غير مباشرة لتوجيه الإنسان وحسم خياراته.

وهذا سوف يطرح إشكاليات كبيرة للنظام الليبرالي سواء تلك المتعلقة بالإرادة أو الحرية أو المسؤولية. وهذا موضوع كبير وشائك بطبيعة الحال، لكن ما يمكن قوله هنا هو أن التطورات العلمية أو ما يمكن تسميتها بعلوم الحياة تحمل للجميع تحديات جديدة ومختلفة عن تلك التي ألفناها حتى اليوم، وبحيث يغدو الحديث عن تعدد الأقطاب وما شابه حديث منتهي الصلاحية ولا معنى له.  

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.