المنتخب العراقي فاز ببطولة خليجي 25 في البصرة
المنتخب العراقي فاز ببطولة خليجي 25 في البصرة

"حلوة العراق"، بهذا الوصف العَفَويّ اختصر، محمود الحسّوني، مراسل قناة أبوظبي الرياضية، ما شاهده مِن أجواء في بطولة خليجي 25 التي احتضنتها محافظةُ البصرة في العراق، والتي حوّلت جميع مدن العراق إلى كرنفال رياضي، حيث يتابع الناسُ سِحر الكرة، حتّى طغت أخبارُهم على أخبار السياسة وأخبار ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي.

على مدى أسبوعَين ونحن نستمتع بمقدّمات الإعلاميّ الإماراتيّ، يعقوب السعدي، التي يستهلّ فيها برنامجه (الفريق التاسع) في قناة أبوظبي الرياضية، والتي يتَغنّى فيها بالعراق وحضارته وشعبه. ونتابع ما يتناقله مراسلو القناة في جولاتهم بأسواق البصرة وشوارعها. واستبدلنا برامج الحوارات السياسية بما ينقله الإعلاميُ القطريُ، خالد جاسم، في برنامج المجلس من قناة الكأس القطريّة، ونتابع بشغف الفعاليّات والاحتفالات وكلمات الاحتفاء بالعراق وشعبِه.

فضائيات دول الخليج كان حضورُها متميزاً جدّاً في جميع أيام البطولة، وهي لم تكن تنقل وقائع المباريات فحسب، بل تحوّلت إلى كاميرا ترصد كلَّ التفاعلات الاجتماعية والثقافية والفنيّة في مدينة البصرة تحديداً، حتّى عندما خسر المنتخبُ القطريُّ أمام الفريق العراقيّ في النصف النهائي، كانت الأغانيّ والاحتفالات العراقيّة تنقل مباشرةً مِن قناة الكأس، وكأنّما هي قناة عراقيّة تحتفي بفوز فريقها وليست قناة قطرية!

قد نختلف بشأن السياسة ومواقفنا مِن النخب السياسية الحاكمة، ونصل إلى مرحلة التشاؤم واليأس مِن إصلاح أوضاعنا السياسية وإمكانية تحقيق تنمية اقتصادية وعمرانية وتحسين واقعنا المعاشيّ، ما داموا موجودين في سدّة الحكم ويتحكّمون بالدولة ويتقاسمون مواردَها. لكنَّ هذا التشاؤم لا يمكن أن ينعكس على مواقفنا من الانتماء إلى العراق حضارياً وتاريخياً. فنحن نخوض في كلّ يوم وفي كلّ مناسبة معركةً مع حكّامنا الذين يرومون استلاب كلِّ معاني الجمال والفرح من يومياتنا، ويريدون منّا أن نكون مجرّد أرقام تتحشّد في تجمعاتهم ومهرجاناتهم السياسية ومواسم الانتخابات، أو عندما يريدون فرض شخصياتهم الحزبية كرموز "وطنية" يُحتفى بهم.

لم يكن في مخيلة السياسيين العراقيين المنشغلين بتقاسم المناصب والتصارع على توسعة حصصهم من مغانم السلطة، أنَّ بطولة خليجي 25 تتحوّل إلى مهرجان احتفالي كبير تعود فيه صورة العراق إلى بلد يستعيد أمجادَه وحضورَه بين بلدان الخليج العربيّ. فما حققته الساحرةُ المستديرةُ يفوق كلّ الزيارات والوفود والقنوات الدبلوماسية بأعلى مستوياتها، والاستقبالات الرسميّة بالبساط الأحمر وعزف الأناشيد الوطنيّة.

نعم، نجحت الرياضةُ التي تُعَدّ واحدةً مِن أكثر الرياضات التي تجمع الشعوبَ وتوحّدها، بعيداً عن الانتماء الديني والسيادة القوميّة والهويات العِرقية التي يتقاتل الناسُ مِن أجل شعاراتها. فالرياضةُ - كما يصفها  تيري إيغلتون في كتابه (معنى الحياة) - تتضمّن طقوساً رمزية، وأساطير رائعة، وأبطالاً رموزاً، ومعارك ملحميّة، وجمالا حسيًّا، وإشباعاً بدنياً، وإشباعًا فكريا، واستعراضات مهيبة، وإحساساً عميقاً بالانتماء. كذلك تقدّم التضامن الإنساني والتجسيد اللحظي. ولولا هذه القيم، لصارت حياة الكثيرين خاوية بلا شك.

نجحت الرياضةُ في أن تكون نقطة التقاء بين الشعوب وتذويب جليد القطيعة الدبلوماسية بين الدولة أكثر من اللقاءات الدبلوماسية الرسمية. فمثلاً في عام 1971 فتح لقاءٌ وديٌّ في اليابان بين الرياضيين الأميركيين والصينيين في مباريات تنس الطاولة "ping pong"، الطريقَ لِعودة اللقاءات الدبلوماسيّة فيما بعد بين الصينيين والأميركان، وفيما بعد أصبح الرياضيون أوّل أميركيين يزورون الصين رسمياً منذ تولي الشيوعيين الحكم. وتم تسمية تلك اللقاءات بدبلوماسية "البينغ بونغ" (ping pong diplomacy).

وكرة القدم في خليجي 25، جسّدت مثالاً لِنجاح أنموذج (دبلوماسية المسار الثاني) التي تتعامل مع ما تفرزه الأوساطُ الشعبية مِن مواقف وسلوكيات تجاه تفاعلات القضايا الإقليمية والدولية. إذ على خلاف عادتها التي تشعل روحَ التنافس وتتفاعل من خلال مغذيات الخصومة على أرض الملعب وبين مدرجات الجمهور الذي يشجّع الفريقين، كانت تعبّر عن مراسيم احتفالات شعبية أكثر مِن كونها مباراة تنافسية، رغم وجود الرغبة بالفوز والتأهل.

دبلوماسية المسار الثاني، يعود طرحها إلى سبعينيات القرن العشرين، في مقالة نشرتها مجلة "فورين بوليسي" الأميركية بعنوان "Foreign Policy According to Freud" لِلدبلوماسي الأميركي، جوزيف ف. مونفيل، إذ عرفها بأنّها تقابل دبلوماسية المسار الأوّل التقليدي الذي يشمل تصريحات سياسية وزيارات ولقاءات رسمية. وهي تعتمد على أوساط المجتمع المدنيّ والمؤسسات غير الرسميّة في مدّ جسور الثقة والتعاون، وتركّز جهودها على إحداث أثر ضمني في دبلوماسية المسار الأول مِن خلال تبادل الأفكار والنشاطات والتفاعل على مستوى الأفراد والنخب والمجتمع بصورة عامة. وكذلك لِلمساهمة في دعم بيئة القرار الخارجي بكسب رضا الشعوب وإقناعهم بالمواقف الدبلوماسية الرسمية.

ومِن ثمّ، تحاول دبلوماسية المسار الثاني مِن خلال قنوات الدبلوماسية الشعبية إقناع الرأي العام بمواقف دولهم أو لتسهيل الوصول إلى قرارات معيّنة تتصل بمصالح دولهم.

إنَّ تفاعل الأوساط الشعبية والإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي ركّزت على جماليات لقاء العراق بأشقائه الخليجيين، إنّما هو نجاح لدبلوماسية المسار الثاني، التي يجب على العراق ودول الخليج الاستفادة منها وتوظيف نجاحها في شراكة اقتصادية وتفاعلات سياسية تساهم في عَودة العراق كدولة فاعلة في محيطه الإقليمي العربيّ. ويفترض أن تعمل دول الخليج على توفير جميع سبل التعاون السياسي والاقتصادي مع العراق، وأن لا يتمّ اختزال الشعب العراقي بطبقةٍ حاكمة أو شخصيات سياسية.

ويقع على عاتق الحكومة والشعب العراقي أن يوظّفوا كلَّ المناسبات لإعادة الاعتبار لدولتهم، فالمنجَز الذي تحقق في خليجي 25 هو منجز لِلعراقيين، وليس لِلسياسيين الذين يستشعرون الخطرَ كلّما شاهدوا العراقيين متوحدين ويعبّرون عن ولائهم لِلعراق وليس لانتماءاتهم الطائفية والقوميّة والعِرقية. ويجب عليهم أن يقفوا بوجه كلّ مَن يريد سرقة أفراحهم ورغبتهم، وأن يكونوا موحّدين ومتحدين في مواجهة قوى السلطة وأحزابها. فهو عراقنا وليس عراقهم وكما أوصاهم الإعلاميّ الإماراتيّ، يعقوب السَعدي:  
هذا عراقكم.. جمّلوه
هذا عراقكم.. احفظوه
هذا عراقكم.. أحبّوه
هذا عراقكم.. لا تتركوه
يا أهل العراق.. وصيّتكم العراق

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.