ماذا لدى هذه الثقافات/ الحضارات المشرقية كبديل لحضارة الغرب المتراكمة؟
ماذا لدى هذه الثقافات/ الحضارات المشرقية كبديل لحضارة الغرب المتراكمة؟

قبل الإجابة على هذا السؤال المُسْتَنكِر أو المُتَعَجِّب أو المُتَحَيِّر؛ ثَمّة سؤال على هذا السؤال: هل ثمة فارق ثقافي/ قِيَميٌّ كبير بين الشرق والغرب؛ بحيث يكون السؤال حاسما في استقطابيته، ومُقْلِقا في تَبعات خياراته القصوى ؟

الجواب بلا ريب: نعم. وأكبر دليل على هذه الـ"نعم" الجازمة، أن الشرق بكل ثقافاته المتعدّدة، وحضاراته المُتباينة، وأديانه المتنوّعة، وقومياته المتنافسة/ المتصارعة، ودُوَله الناجحة والفاشلة، لا يكاد يُجْمِعُ على شيءٍ؛ بقدر ما يُجْمِع على أنه يَتوفَّر على "ثقافة ذات خصوصية"؛ مُغَايِرة للثقافة الغربية الحاضنة للحضارة المعاصرة، وأن خصوصيته تنبع من هذه "المُغَايَرة/ الاختلاف" بالذات.  

يَتكرر في كِتابَات وحِوارات وتصريحات كثير من  المَشْرِقيين التأكيدُ على "مقولة" باتت ـ لكثرة ترديدها وتأكيدها ـ مُستهلكة، ومفادها: أن التقدم الحضاري غير مشروط بالنموذج الغربي، وأن ثمة طرائقَ مختلفة لتحقيق التقدم؛ دون الحاجة لاستلهام الغرب، بل ـ وبعضهم يُغَالي؛ فيقول: ثمة تقدّم هو التقدّم الحقيقي الذي يستحق صفة "التقدّم"؛ وهو تقدّم مشروط بكونه نقيضا للتقدم الغربي؛ وليس مجرد بديل له في هذا المجال أو ذاك المجال.

طبعا، رغم اختلاف صور التعبير عن هذه "المقولة الضّديّة" المستهلكة في مجتمعات التخلف؛ إلا أنها تتواتر على المعنى ذاته، ولا جديد في طرحها إلا الاختلاف في صور التعبير عنها، وفي طرائق التأكيد عليها، وفي مستويات النبرة الهاتفة بها؛ تبعا لنوعية الدوافع؛ كراهية أو حسدا أو إحباطا أو غضبا ـ غير واعٍ ـ على الذات.       

بل إن "نقد المركزية الغربية" وإن بَدأ أساسا في الغرب؛ إلا أن "الايديولوجيا التّشريقيّة" وجدت فيه ـ في سياق إحباطاتها وعُقَدها النابضة بحقيقة جرحها النرجسي ـ أفضلَ استثمار. فإذا كان نقد المركزية الغربية في الغرب هو جزء لا يتجزأ من ديناميكية الثقافة الغربية، أي من كمالاتها النوعية، فإن نقد هذه المركزية الغربية في الشرق يتحوّل إلى "قصيدة هجاء" للغرب، إلى تبخيس نقائضي للإنجاز الحضاري الغربي، إلى ازدراء ـ غير مُقْتَنِعِ وغير مُقْنِعٍ ـ للحضارة النوعية التي غيّرت وَجْهَ التاريخ البشرية كله، ونقلته ـ نوعيا وجذريا ـ من حال إلى حال.

والغريب أن هذه "الايديولوجيا التشريقية" التي بدأت بواكيرها الأولى في الشرق العربي/ الإسلامي منذ قرنين تقريبا (كردة فعل على استشعار التفوّق الغربي المذهل)، عاجزة عجزا كليا، ومن كُلِّيةِ عَجْزها أنها لا تعي أبعاد عَجْزِها، فهي إذ تُحاول نقدَ الغرب، وتبخيس منجزاته الحضارية النوعية؛ لا تتقدّم ـ بالمقابل، وكبديل ـ إلا بكل هزيل ورَكيك وغُثَائِي، وغير عقلاني، و ـ في الغالب ـ غير إنساني؛ من تُراث الشرق، ذلك التراث الذي يبدو فيه الإنسان ـ إنسان الحريات والحقوق تحديدا ـ هامشيا، بل ومُسْتَبْعدا من نَسَق التأملات العَمَليّة في كثير من الأحيان. وفي بعض هذه الأحيان، يكون مُسْتَبْعَدا ومُسْتَعْبَدا في آن؛ لحساب القهر والقمع والاستغلال والاستعباد والظلم والطغيان.

لقد كانت جمهوريات ما بعد الاستقلال (الأنظمة المتعسكرة التي حكمت أكثر الأقطار العربية بعد الاستقلال عن الغرب منتصف القرن العشرين) جمهوريات يسارية مُعَادية للغرب ضرورة، بل هي قائمة أساسا ـ من حيث مشروعيتها ـ على فرضية أنه "حالة نِضَال" ضد الغرب. أي أنها كانت مُسْتَوْعَبة في "الايديولوجيا التشريقية" تماما. وأما ما بقي من أنظمة الحكم الأخرى، فقد كانت ـ رغم علاقاتها الجيّدة نسبيا مع الغرب ـ في حالة مُوَاءمة عسيرة بين الحاجة للتطوير المادي من جهة، وإرادة الاستقلال الثقافي (= التصدي للتغريب) من جهة أخرى، على الأقل، في مستوى ضبط مسار التحوّل الاجتماعي الذي تقع العملية التنموية منه في الصميم.

كل هذا يعني أن الوعي العربي الحديث قد تشكّل ـ من حيث العموم ـ في سياق "الايديولوجيا التشريقية" التي جعلته يستبطن الموقف الضّدّي من الغرب؛ حتى وهو يتغرّب عمليا في واقعه؛ على مستوى الدراسة والتعليم والتجارة والسياحة والاستهلاك، وربما على نمط الحياة اليومية بالكامل...إلخ. فهو مهما تَغرّب، بل ومهما اشْتَبك ـ تفاعُلا ـ مع بعض مسارات التغريب، فهو إنما يفعل ذلك بحكم الضرورة، وبحكم الاحتياج الظرفي؛ لا بحكم الاختيار المبدئي. إنه يفعل ذلك سعيدا في الظاهر، ومتألما في الباطن، يفعل ذلك وهو يلعن هذه اللحظة التاريخية العاثرة التي جعلته يَتَفَيّأُ ظِلالَ حضارة أعدائه التاريخيين/ أعدائه التقليديين، يحتمل كل هذا التمزّق بين ما يعيشه حقا وما يتمناه شوقا، منتظرا "الفردوس المفقود"، وهو ذاته "الفردوس الموعود"؛ عندما يَعْتَذِر التاريخُ يوما ما؛ فتنتصر "الايديولوجيا التشريقية"، وتبدأ "حضارة الشرق" في بَسْطِ هيمنتها، واستئناف دورها المُسْتَحَق الذي كتبه لها الربُّ في الأزل، أو كتبه لها التاريخ !

لكن، ما هي "حضارة الشرق" التي يجري الرهان عليها في خطاب "الايديولوجيا التشريقية" ؟ المسلمون يرونها الإسلام حصرا، ثم داخل الإسلام، السنة يرونها تراثَ الدول السنية المتعاقبة، والشيعة يرونها تراث الأئمة من آل البيت...إلخ الطوائف والمذاهب والثوميات. والإصلاحيون جدا من المسلمين يرونه عقائدَ الإسلام الأولى؛ دون تجارب التاريخ الإسلامي اللاحقة. وأما غير المسلمين، فالروس يرونها تحديا في الثقافة القومية الروسية بهويتها الأرثوذكسية، والصينيون يرونها في الصينية الكونفوشيوسية، والهندية في الهندوسية، والشرق الآسيوي في معظمه يراها في البوذية...إلخ. وبعد ذلك، فَكُلُّها يتصوّرها أصحابها أنها تُمَثِّل "حضارة الشرق" في مقابل "حضارة الغرب"، أي مقابل هذه الحضارة المعاصرة التي يُؤكِّدون أن عَوْلَمَتَها تُشَكِّلُ تهديدا مباشرا لهوياتهم الخاصة، وبالتالي؛ تهديا لوجودهم من حيث هم أصحاب حضارات سابقة ـ ومُتفوّقة ! ـ على حضارة الغرب الذي يتوقّعون ـ على سبيل التَّمَنِّي المَرَضِي ـ انكسارَه واضمحلالَه عَمَّا قريب.

على أي حال؛ ماذا لدى هذه الثقافات/ الحضارات المشرقية كبديل لحضارة الغرب المتراكمة منذ خمسة قرون على الأقل؟ لا شيء، غير أشْتَاتٍ من أوْهَام حَائرة، ومقولات عابرة من هنا وهناك، وتصوّرات بدائية مُعَادية للإنسان. وفي أحسن الأحوال، إشراقات عقلية وإنسانية توقَّفت عند لحظتها التاريخية، ولم تعد قادرة ـ في وضعيتها الراهنة ـ على تقديم أي شيء للإنسان المعاصر؛ أي شيء يُضَارِع ـ ولو في الحدود الدُّنيا ـ ما قدمته الحضارة الغربية من خير للإنسان في العموم.

سيقول مُرَوِّجُو "الايديولوجيا التشريقية": إن الاستقلال الحضاري سَيُمكّننا من البناء على هذه الإشراقات، سَيُتيح لنا توجيَه الجُهود إلى تراث الذات، وهذا من شأنه أن يُثْمر ما يُسْتَغْنَى به عن التغريب. والحقيقة أن البناء على الهزيل والهش والعابر الاستثنائي مشكوك في نجاعته، ولا يراهن عليه إلا عابث ومقامر بمستقبله ومستقبل أجياله؛ لأن هذا المُرَاهَن على الاستثمار فيه، حتى لو كُتِبَ له النجاح؛ فلن يكون ذلك إلا بعد تراكم من الأبنية التَّصوّرية والتجارب العملية التي تمتد لثلاثة أو أربعة قرون على الأقل. فلماذا البداية من الصفر، والتضحية بأجيال وأجيال كقرابين على مذبح العناد الضدي ؟  لماذا نترك تجاربَ مَرَّت على مُخْتَبر المراجعة والتجريب، ودفع فيها الآخرون رصيدا هائلا من الأعمار المستنفدة على مدى سبعة قرون؛ لِنتمكن ـ في حال التغريب الإيجابي الواعي والجاد ـ من استيعابها في سبعة عقود ؟! 

وباختصار، لماذا نترك ما ثبت بالواقع العملي نجاحُه على أكثر من صعيد، وصنع ـ رغم كل صور القصور النسبي ـ أكثرَ "الفراديس الأرضية" جمالا وبهاء وإلهاما، وأشدها تَمَثُّلا للإنساني، وامْتِثالا له في الآن نفسه؛ بما لم يسبق للإنسان أن جرّبه ـ كواقع ملموس، وليس كحلم طوباوي ـ في تاريخه الطويل ؟   

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.