عمل أعوان النظام والموالين له على التشكيك في رموز المعارضة
عمل أعوان النظام والموالين له على التشكيك في رموز المعارضة

أشرت في الجزء الأول من هذا المقال إلى أن إعادة ديبي الابن مسرحية الحوار الوطني التي مكنت والده من الانفراد بحكم تشاد لأكثر من ثلاثة عقود كانت من أجل ترسيخ فكرة أنه يمثل امتدادا لحكم والده وسيطرة عشيرته على مقاليد السلطة والثروة في البلاد.

وبناء على ذلك، تواصل أعوانه ومستشاروه مع المعارضين في المنافي وخيروهم بين مواصلة معارضتهم لعقود قادمة أو القبول بلعب أدوار هامشية في مسرحية الحوار الوطني وتقاضي أجور مقابل ذلك، فوافق الكثير منهم على العرض وانتهت المسرحية بتنصيب ديبي الابن رئيسا لفترة انتقالية مدتها عامان وبتنكره للعهد الذي قطعه على نفسه بعدم الترشح لخوض الانتخابات الرئاسية.

في هذا الجزء، أود التطرق إلى تداعيات تمكن النظام من استمالة بعض المعارضين الذين كانوا يحظون بثقة الشعب التشادي، والآثار المترتبة على الحرب النفسية التي بدأوها والدعايات الرخيصة التي يروجون لها على الأوضاع في البلاد وعلى مستقبل الحراك الذي يسعى إلى تحرير البلاد من النظام العشائري وإقامة دولة ديمقراطية أساسها العدل والمساواة والشفافية واحترام الكرامة الإنسانية.

إن من الطبيعي أن يُصاب التشاديون بخيبة أمل في المعارضين الذين استطاع النظام أن يضمهم إلى صفوفه لأنهم كانوا بمثابة المرآة التي تعكس للعالم معاناة الشعب من الظلم والقمع والفساد الذي استشرى في البلاد.

وفضلا عن تأكيدهم للدعاية التي لطالما روج لها النظام من أن المعارضين ما هم إلا انتهازيون ينتظرون العروض المناسبة لتحقيق مكاسب شخصية، فقد زعزع أولئك العائدون ثقة المواطنين الصالحين في المعارضين، فكل من يملكون أدلة أو وثائق تفضح تجاوزات النظام وفساده سيفكرون ألف مرة قبل التواصل مع المعارضين أو مدهم بأي معلومات خشية من يتم الوشاية بهم وتعريض حياتهم للخطر.

من جانبهم، عمل أعوان النظام والموالين له على التشكيك في رموز المعارضة وعلى رأسهم السيد سوكسي ماسرا رئيس حزب "ترانزفورماتير"، أو صناع التغيير والترويج، بأنه لا يختلف عن غيره من المعارضين وأنه لا يملك الشجاعة الكافية للخروج في المسيرات ومواجهة السلطة، فاتهموه بأنه يقود أنصاره إلى التهلكة بينما يتوارى هو عن الأنظار ويغادر البلاد كلما حمي الوطيس.

إن هذه الاتهامات والحملات المغرضة التي يشنها أنصار النظام ما هي إلا جزءا من حرب نفسية تسعى لتشكيك الشعب التشادي في قياداته الوطنية التي تحمل لواء معارضة النظام، وتهدف الحملة إلى إفراغ الساحة التشادية من القيادات الوطنية المؤثرة التي تستطيع قيادة الجماهير للاحتجاج ضد الظلم والفساد والمحسوبية، والمطالبة بالعدالة والحرية والمساواة.

كما تكشف هذه الحملات والاتهامات مدى دناءة أنصار النظام وفساد أخلاقهم، فهم لم يكتفوا فقط بالوقوف في صف النظام الظالم ومعاونته في ظلمه، بل وصل بهم اللؤم إلى معاداة المظلومين لمطالبتهم بحقوقهم المشروعة بطرق سلمية الذين يتعرضون للقتل والسجن والمطاردة في سبيل ذلك.

ورسالتي إلى هؤلاء هي تذكروا أن الأنظمة الظالمة ستزول ولو بعد حين، وأن مصيركم لن يختلف عن مصائر كل أعوان الطغاة وزبانيتهم، وإن نجوتم من المحاكمات فإن الشعب لن ينسى أنكم اخترتم الوقوف إلى جانب جلاديه في يوم من الأيام وأنكم أعنتم الظالم على ظلمه لهم، بدلا من قول كلمة الحق أو السكوت.

أما رسالتي إلى المواطنين الصالحين الذين أصيبوا بخيبة أمل في المعارضين السابقين الذي والوا النظام فأقول: لا تيأسوا ولا تحزنوا ولا يضركم من ضعفت نفوسهم أمام إغراءات المال والسلطة. استمروا في العمل في فضح النظام وكشف الفساد والظلم الواقع عليكم، ولكن بحذر واعلموا أنكم تساهمون في تحرير الوطن من هذا النظام الذي تمادى في ظلمه وفساده واستغلال مقدرات الوطن وتكرسيها في شراء الضمائر، بدلا من توفير أبسط مقومات الحياة للشعب وتأسيس دولة الحقوق والحريات، والعدل والمساواة والشفافية. 

يظن ديبي الابن وأنصاره أن سياسة تبديد مقدرات البلاد في شراء الضمائر ستضمن لهم البقاء في السلطة إلى الأبد، ولهم أقول إن هذه السياسة وأن أبقتكم في السلطة عقودا طويلة فإن مصيركم إلى زوال، كما زال من قبلكم الطغاة، وأن البلاد ستتحرر من طغيانكم وسيبني التشاديون الشرفاء دولة تتسع لجميع أبناء الوطن قوامها العدل والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.