A handout picture provided by the Islamic Consultative Assembly News Agency (ICANA) on January 22, 2023, shows Islamic…
إيران تتعهد بالرد على العقوبات الأوروبية والبريطانية.

لم تتأخر السلطات التشريعية في طهران بالرد على المشرعين الأوروبيين في ستراسبورغ الذين صوتوا على قرار تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، فقد التأم مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) يوم الأحد الفائت بحضور وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان وقائد الحرس الثوري الجنرال حسين سلامي، وانضم إليهما لاحقا الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، في جلسة تشريعية مغلقة يمكن وصفها بغير الاعتيادية، للبحث في خيارات النظام المتاحة للرد على موقف البرلمان الأوروبي تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، الأمر الذي استدعى تصعيدا إيرانيا غير مسبوق مع الأوروبيين، عبّر عنه رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، الذي حذر الأوروبيين من عواقب خطواتهم، إذ قال: "في حال اتخاذ أي إجراءات ضد (الحرس الثوري) الإيراني، فإننا سنعتبر جيوش الدول الأوروبية جماعة إرهابية".

قرار المشرعين الأوروبيين ضد الحرس الثوري استفز النظام الإيراني، ودفعه إلى خوض معركة تحذيرات استباقية قبل جلسة قادة الاتحاد الأوروبي المقبلة في 27 من الشهر الجاري، حيث قال وزير الخارجية الإيراني، في تغريدة لافتة، توحي بأن هناك تباينات حادة بين الأوروبيين حول الموقف الموحد من الحرس الثوري، إذ غمز عبداللهيان من قناة برلين وقال: "عدد قليل من الزعماء السياسيين الأوروبيين ليست لديهم أي خبرة في المجال الدبلوماسي، واليوم يترأسون الجهاز الدبلوماسي، بما في ذلك وزير الخارجية الألماني، لهذا إذا لم يتحركوا في مسار العقلانية، ولم يصلحوا مواقفهم، فأي احتمال ممكن".

من الواضح أن طهران تراهن على عدة عوامل داخل الاتحاد الأوروبي تعطل الإجماع على اتخاذ موقف من الحرس الثوري، خصوصا أن دولا فاعلة في مقدمتها فرنسا لم تزل ممسكة بخيوط دبلوماسية رفيعة مع طهران، وهي تعي جيدا أن مثل هذه الخطوة ستنقل العلاقات الأوروبية الإيرانية إلى مستوى مختلف تماما، وقد تؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، خصوصا أن إيران في وضع داخلي صعب وتبحث عن أزمة خارجية لتصدير أزمتها.

وبالعودة إلى تحذير قاليباف بأن بلاده ستعتبر جيوش الدول الأوروبية جماعة إرهابية، جاء تفسيره بوضوح على لسان صحيفة كيهان المتشددة والقريبة من بيت المرشد، التي قالت بفصيح العبارة: "سيتحمل الأوروبيون قريباً تكاليف بشرية ومالية باهظة بحيث يندمون على قرار برلمانهم آلاف المرات". 

وأضافت أن "الأوروبيين في المنطقة التابعة لإيران، وبقية دول المنطقة لديهم وجود عسكري وأمني في إطار حلف الناتو لا يمكنهم بسهولة الحفاظ على قواعدهم وقواتهم العسكرية والأمنية". وعادت وذّكرت الجميع بأن القوات العسكرية - الأمنية للدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، تلقت ضربات مفاجئة من القوات العسكرية والأمنية الإيرانية.

بعيدا عن كافة التهديدات التي أُطلقت أثناء جلسة مجلس الشورى أو قبلها أو بعدها ومن كبار المسؤولين في النظام، إلا أن موقف كيهان غير الرسمي يبقى الأخطر، فهذا يعني أن طهران بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر أذرعها في المنطقة ستحول الأوروبيين إلى أهداف مشروعة خصوصا في مناطق النزاعات حيث يوجد حضور إيراني أمني أو عسكري.

في المساحة الإيرانية الجيوسياسية، فإن لبنان أول من يتصدر مشهد الاحتكاكات الخشنة مع الأوروبيين لأسباب عديدة، باعتباره مجالا حيويا تاريخيا لأوروبا في حوض المتوسط، ويرتبط معها روحيا وثقافيا، أما الأخطر على الأوروبيين في لبنان أن هناك أكثر من 15 ألف جندي أجنبي بينهم عدد كبير من الأوروبيين ومن دول مؤثره في الاتحاد الأوروبي يعملون ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، قد يصبحون أهدافا مشروعة للمتضررين من أي قرار ضد الحرس الثوري الإيراني.

عمليا، التهديدات الإيرانية حضرت بقوة في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الأخير يوم الاثنين الفائت، لذلك تجنبوا اتخاذ أي موقف من قرار البرلمان الأوروبي تصنيف الحرس منظمة إرهابية، وربط بعض أعضاء الاتحاد هذا الاجراء بقرار يجب ان يصدر عن محكمة أوروبية، وعلى ما يبدو حتى الآن أن هذه الإجراءات غير متوفرة، إضافة إلى ان الإجماع الأوروبي غير موجود، ما يعني أن الأوروبيين إذا أخفقوا سيقدمون نصرا مجانيا للحرس الثوري سيساعده على تأكيد سطوته الداخلية والخارجية في مواجهة خصومه.
 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.