رجل يحمل علم السودان في مظاهرة مدنية في الخرطوم.
رجل يحمل علم السودان في مظاهرة مدنية في الخرطوم.

منذ سقوط نظامها الاستبدادي في 11 أبريل 2019، ظلت جماعة الإخوان المسلمين تعمل دون هوادة على تعويق مسار الانتقال الديمقراطي في السودان بمختلف السبل، ومن الجلي أنها قد حزمت أمرها على تبني إستراتيجية لإفشال الاتفاق السياسي المبرم بين العسكر والمدنيين والحكومة الانتقالية التي ستنجم عنه. 

تستند إستراتيجية فلول جماعة الإخوان الهادفة لإفشال الاتفاق السياسي وعرقلة أداء الحكومة القادمة على أربعة مرتكزات هي: تكوين المليشيات الجهوية والقبلية، المضاربة في أسعار العملة الصعبة (الدولار الأميركي)، الإضرابات المطلبية، فضلاً عن تأجيج الصراعات بين مختلف المكونات الاجتماعية (القبائل). 

بعد أن لفظت جماهير الشعب السوداني جميع اللافتات السياسية للإخوان، عمدت الجماعة بعد قيام الثورة وسقوط نظامها الفاشي في أبريل 2019 إلى التخفي خلف الواجهات الجهوية والقبلية حيث قامت باستخدامها لمعارضة كافة سياسات الحكومة الانتقالية ومعاونة العسكر في تنفيذ إنقلاب 25 أكتوبر 2021.  

الأمر المستجد هذه المرة يتمثل في إقدام الجماعة على تكوين مليشيات عسكرية مسلحة تحت دعاوى مساندة الجيش السوداني والدفاع عن المكونات الاجتماعية في وسط وشمال السودان، بينما يتمثل الهدف الحقيقي من ورائها في إعاقة الاتفاق السياسي وإفشال الحكومة القادمة، وتكمن خطورة الخطوة في أنها حتماً، وفي ظل الاحتقان الاجتماعي العميق الذي تعيشه البلاد، ستؤدي لمواجهات مسلحة يصعب السيطرة عليها. 

تم حتى الآن الإعلان عن تكوين خمسة تنظيمات مسلحة، كان أولها ما عرف باسم "قوات كيان الوطن" ويقوده ضابط إخواني سابق في الجيش هو العميد الصوارمي خالد سعد، ويضم في عضويته ضباط إسلامويين متقاعدين، ثم تلاه تكوين مليشيا مسلحة تحت مسمى "درع الشمال" تضم مكونات قبلية من شمال البلاد، وكذلك قوات "درع الوطن" التي ضمت مكونات إجتماعية في منطقة "سهول البطانة" بوسط السودان. 

وكذلك قام فلول الإخوان بتكوين تنظيم قبلي تحت مسمى "التحالف الأهلي لاسترداد الحقوق (تهراقا)" في ولاية نهر النيل، ويضم التنظيم جناحاً عسكرياً باسم "درع التحالف"، وأخيراً أعلن أحد رموز الإخوان من قبيلة الجموعية التي تقطن حول مدينة أمدرمان، المك عجيب، عن تكوين جناح عسكري للقبيلة يسعى لأن يكون ظهيراً للجيش ويتم استخدامه في قمع الحركة الجماهيرية وإغلاق الجسور. 

المرتكز الثاني في خطة الإخوان يتمثل في المضاربة في سعر الدولار الأميركي في السوق الموازي، وبحيث يزداد الطلب على شرائه بغرض رفع سعره في مقابل الجنيه السوداني، وقد بدأ العمل في هذا الاتجاه منذ أكثر من أسبوعين حيث شهد الدولار إرتفاعا دون مبرر اقتصادي واضح وهو الأمر الذي سيستمر حتى توقيع الاتفاق النهائي وتشكيل الحكومة، بهدف خنق الوزارة القادمة. 

إن سعي الجماعة لحصار الحكومة اقتصادياً ليس بالأمر الجديد في مسيرتها التاريخية بالسودان، فقد بدأ هذا السلوك منذ ثمانينيات القرن الماضي أبان فترة الحكم الديمقراطي الثالثة في السودان، حيث عمل الإخوان حينها على تجفيف الأسواق عبر تخزين كميات هائلة من الذرة والقمح مستخدمين أذرعهم المالية والمصرفية من أجل إسقاط الحكومة. 

من المعلوم أن الصراعات بين القبائل ظلت موجودة في السودان منذ زمن طويل، وكانت أسبابها تتمثل في المظالم التاريخية وشح الموارد (الخلافات حول الأرض وبين الرعاة والمزارعين) وغيرها من الأسباب، ولكن طبيعة هذه الصراعات كانت محدودة وآثارها ليست كبيرة لأن السلاح المستخدم فيها لم يكن يتعدى السيف والسكين والعصي وبعض الأسلحة النارية البدائية، وقد كانت الإدارة الأهلية ممثلة في زعماء القبائل تتصدى لهذه الصراعات بمساعدة الحكومة بنجاح كبير يؤدي لتسويتها وفقا للأعراف السائدة. 

وعندما استولى الإخوان على السلطة عبر الانقلاب العسكري في يونيو 1989, بدأوا في تطبيق سياسة خطيرة تهدف إلى شق صف القبائل وتقسيم الإدارات الأهلية عبر استخدام المال وشراء الذمم وإغراء السلطة، وقد ترافقت هذه السياسة مع اشتعال الحروب الأهلية في عدد من أقاليم السودان وما صاحبها من خطوات حكومية لصناعة المليشيات القبلية ومدها بالسلاح والأموال لخوض الحرب نيابة عن الدولة. 

ويبدو جلياً أن الجماعة ستواصل العمل في المرحلة القادمة في ذات الاتجاه الذي كان يمثل سياسة رسمية لدولتها الآفلة، وهو الأمر الذي رأيناه أبان الفترة الانتقالية السابقة للانقلاب حيث ظهر رموز الإخوان على رأس الواجهات القبلية في مختلف ولايات السودان، كما تبدى بوضوح تورطهم في صراعات القبائل بدارفور وغيرها من الولايات. 

ونتيجة لتدهور الأحوال المعيشية التي تسبب فيها الانقلاب بقطعه الطريق أمام الإصلاحات الاقتصادية التي ابتدرتها الحكومة الانتقالية، وكذلك توقف برامج الدعم السلعي والمالي، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية العالمية، فإن قطاعات عريضة من العاملين في جهاز الدولة وخارجها قد تراجعت دخولها بشكل كبير مما أدى لمطالبتها برفع الأجور حتى تستطيع مجاراة الأسعار المرتفعة في الأسواق. 

ومن المؤكد أن أحد الأسلحة التي تستخدمها هذه القطاعات في معركتها مع المُخدمين هو سلاح الإضراب عن العمل، وهو عمل مشروع في أعراف العلاقة بين الطرفين، ومن المرجح أن ترتفع وتيرة الإضرابات في الفترة القادمة ومع تكوين الحكومة الجديدة، وهنا سيظهر دور الإخوان في إعاقة عمل الحكومة عبر الدفع بهذه الإضرابات المطلبية إلى أقصى درجة. 

لا شك أن الإخوان يدركون أن اكتمال العملية السياسية وتشكيل الحكومة المدنية الانتقالية سيعني فشل خططهم في العودة للسلطة مرة أخرى، ولذلك فإنهم سيعملون بكل جد لقطع الطريق أمام الوصول للاتفاق النهائي الذي سيفتح الطريق أمام تفكيك وإزالة إرث دولة الإستبداد التي شيدوها طوال ثلاثة عقود وتعبيد الطريق نحو التحول المدني الديمقراطي.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.