من أحد شوارع مدينة القاهرة
أحد شوارع العاصمة المصرية القاهرة حيث تعيش البلاد أوضاعا اقتصادية صعبة

يُعيد المؤشر العربي التذكير بحقائق أصبحت شائعة في العالم العربي، والتسليم بها أو البناء عليها لا يدعو للاستغراب، ومن هذه الحقائق أن شعوب الدول الخاضعة للمؤشر يرون أن الأمور في بلادهم لا تسير بالاتجاه الصحيح، وأن أزمتهم الاقتصادية والمعيشية مستمرة، وهي أساس البلاء في حياتهم، فهم يئنون من الفقر والبطالة، ويرفعون صوتهم احتجاجا على ضعف الخدمات العامة، واستشراء الفساد المالي والإداري.

يُعاين المؤشر العربي في 14 بلدا عربيا تفاصيل مهمة، ويُميط اللثام عن اتجاهات الرأي فيها، فيكشف أن 28 بالمئة من المواطنين والمواطنات يفكرون بالهجرة، وهذه النسبة ترتفع في دول عن أخرى، وإسرائيل هي التهديد الأكبر، تليها أميركا، وتتبعها إيران.

المؤشر العربي يبدو مهما لأنظمة الحكم العربية لمعرفة، وكشف ما تحت الرماد، والسعي لتبني سياسات رشيدة تحاول استكشاف مساحات للحلول، تحد من حالة الرفض الشعبي، وتتنبأ، وتمنع الانفجارات التي قد تعصف، وتُطيح بها على غرار ما حدث في "الربيع العربي" قبل عقد من الزمان.

المؤشرات الرقمية تُضيء على اتجاهات وتحديات كثيرة، بعضها يبدو مستعصيا على الحل، فالثقة بمؤسسات الدولة متدنية، وفي مقدمتها السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولكن الحال مختلف عندما يتعلق الأمر بالجيش، والأمن، والمخابرات، حيث ترتفع الثقة بها، رغم أحاديث، وانتقادات على استخدام السلطة لأجهزة الأمن والمخابرات للتضييق على حرية الناس.

يحتاج التصويت بالثقة للجيش، والأجهزة الأمنية إلى قراءة وتحليل، ولا يُعرف إن كان المجتمع يتعلق بهذه المؤسسات باعتبارها خارج دائرة الاستقطاب، وهي الملاذ الأخير لأمنه وأمانه، أم أنه لا يجرؤ على الاقتراب بالنقد، أو التشكيك بها؟، وتصبح الحكومات، والبرلمانات "شماعة" يسهل النيل منها، والتصويت على رفضها.

وعودة إلى تفاصيل وأرقام المؤشر، فإن 52 بالمئة يرون أن بلدانهم تسير بالاتجاه الخاطئ، و42 بالمئة يعتقدون أنها تمضي بالاتجاه الصحيح، والسبب الأساسي للاتجاه السلبي هو الوضع الاقتصادي، ويتبعه الوضع السياسي، وسوء الخدمات العامة.

في استطلاعات مركز الدراسات الاستراتيجية بالأردن الذين يرون أن الأمور تسير بالاتجاه الخاطئ أكثر من ذلك بكثير، وأعتقد إذا ما استثنينا دول الخليج التي لا تحاصرها الأزمات الاقتصادية، فإن المتشائمين من تحسن الأحوال هم الأغلبية، وهؤلاء لا يرون أن الفرج قادم، بل يتنبؤون بأيام أكثر سوداوية في ضوء تعاظم الأزمات الوطنية، والإقليمية، فهم لم يُلملموا جراحهم من الصراعات التي تعصف بدولهم، حتى جاءت حروب دولية (روسيا ـ أوكرانيا) لتُضاعف الأزمات، ويكفي أن تنظر للمشهد في لبنان، ووصول الدولة إلى حافة الفشل، والتراجع الذي أصاب الجينه المصري وتداعياته على حياة الناس، ولا نُريد أن نفحص بلدانا تعيش حروبا داخلية كاليمن، وليبيا، وسوريا، فالأوضاع هناك كارثية.

حتى الآن فإن 61 بالمئة من المستجيبين للمؤشر ما زالوا يعتقدون أن مستوى الأمان في بلدانهم جيد، و38 بالمئة وصفوه بأنه سيء، هذا المؤشر تزايدت أهميته في العالم العربي بعد تجربة "الربيع العربي"، فالنتيجة التي آلت لها الأمور في العديد من الدول التي انتفضت شعوبها ضد أنظمة الحكم مأساوية، وحروب لم تُبقِ ولم تذر، هذا الخراب الذي سكن العديد من المدن، والدم الذي تدفق ولم يتوقف، والملايين التي هجرت بلدانها على قوارب الموت، أعطت قيمة مضاعفة للشعور، والإحساس بالأمان، وربما يُصبح أولوية، ومُقدما حتى على لقمة الخبز.

عدا الإحساس بالأمن، فإنك لو سألت أي مواطن عربي عن أولوياته فإنه يطمح أن يجد خدمات عامة مقابل ما يدفعه من ضرائب، هواجسه أن يلقى تعليما مميزا يضمن المستقبل لأبنائه، أن يجد علاجا يحميه إذا مرض، بدل أن يبقى لأشهر ينتظر موعدا ليُقابل طبيبا مختصا، أو يُجري عملية جراحية، وأن تتوفر له وسيلة نقل عامة محترمة حتى يستطيع مواجهة غلاء المشتقات النفطية، وعلى ضوء هذه الحقائق، فإن المؤشر وجد أن الخدمات العامة على رأس أولويات المستطلع آراؤهم، ولو ربطنا موضوع الرغبة بالهجرة الذي أيده 28 بالمئة بأنهم يريدون أن يحزموا حقائبهم، ويغادروا بلدانهم، لوجدنا 16 بالمئة أنهم يفعلون ذلك من أجل ضمان التعليم الجيد، وقبل ذلك كان الوضع الاقتصادي الذي لا ينفصل عن قائمة الخدمات العامة.

كثيرون يرغبون بالهجرة من العالم العربي، والاستثناء على القاعدة هم مواطنو ومواطنات دول الخليج، حيث يعيشون بحبوحة اقتصادية، وإذا ما عدنا عقودا للوراء، فإن الشباب والشابات كانوا أقل رغبة بالرحيل، وكانوا يرون الأمل في العمل ببلدانهم، وكانت الفرص متوفرة إلى حد ما، اليوم أكثر أحلامهم ينسفها الواقع، فأرقام البطالة والفقر تتزايد، والمتعلمون من حملة الشهادات يجلسون على المقاهي لا يجدون عملا، والحل السحري للخروج من هذا النفق المظلم هو الهجرة لبلدان يجدون فيها فرصا للعمل اللائق، وبهذا يستعيدون كرامتهم التي أهدرت.

سياق الهجرة أيضا لا ينفصل عن قناعة الناس أن الفساد يعمّ في بلدانهم، ويأكل الأخضر واليابس، وأن الأثرياء يزدادون ثراءً، والفقراء ينسحقون أكثر، وأكثر، وهكذا يجد 87 بالمئة أن الفساد الإداري والمالي منتشر بدرجات متفاوتة.

رغم سوداوية الصورة، ورغم أن مخاض "الربيع العربي" لم يُحقق أحلام الناس بالحرية، والعدالة الاجتماعية، فما زالت الغالبية ترى بالديمقراطية الحل، وما زال 72 بالمئة من المشاركين في المؤشر يؤمنون بالنظام الديمقراطي مقابل 19 بالمئة يعارضونه، ويراه 71 بالمئة أكثر ملائمة للحكم.

الديمقراطية في بلداننا ما زالت في منتصف الطريق حسب وصف من شاركوا في بالمؤشر، وباعتقادي أن الوضع بالممارسة للعملية، وليس بالعنتريات، والبروبغندا أقل من ذلك، وتتبعُ واقع الحقوق والحريات يشي بالحقيقة دون لبس، دققوا في التجمعات السلمية التي تُمنع، أو تتعرض للفض بالقوة دون مبرر، ولاحظوا واقع حرية التعبير والإعلام، والقيود المتزايدة عليها، وحتى منصات التواصل الاجتماعي لم تسلم من الذباب الإلكتروني، وحملات التشهير المُمنهجة، وحتى الحجب للتطبيقات، والقرصنة شائعان، والشواهد على هذا الممارسات حدّث عنها ولا حرج.

ما زالت تابوهات (الدين، والجنس، والسياسية) تُشكل، وتؤثر في الوجدان العربي، وطوال العقود الماضية وظف الدين في خدمة السلطة السياسية، والمسكوت عنه أصبح الحاضر الأقوى في الغرف المغلقة، فالجنس من المحرمات الاجتماعية، لكن لا يغيب في كل تفاصيل الحياة حتى ولو حاولوا دفنه، وحين سئل الناس عن مستوى تدينهم، فإن الغالبية 61 بالمئة متدينون إلى حد ما، و24 بالمئة متدنيون جدا، و12 بالمئة غير متدينين، ولكن التواطؤ مع السلطة السياسية يُضفي طابع التدين على المجتمع حينا، وعلى العكس يحدث حين يريد الحكم أن يخلع عباءة التدين، وتصبح مكلفة سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وربما ظاهرة التحول في السعودية تستحق المراجعة، والتعمّق، فخلال عامين من سلطة ولي العهد السعودي الأمير، محمد بن سلمان، تغيرت السعودية، واستبعدت جماعات "النهي عن المنكر" خارج اللعبة، وصار المجتمع أكثر انفتاحا، وقِبلة لتظاهرات فنية، وثقافية كانت قبل سنوات حلما مستحيلا.

ما هو لافت أن الغالبية لا تؤيد زجّ الدين بالسياسة، أو أن يُستخدم الدين لحشد التأييد، وهو ما اتبع لعقود طويلة، لكن المجتمع لا يكون حاسما بالمطالبة بفصل الدين عن الدولة، وهو مُنقسم حيال هذه القضية الإشكالية التي تحررت منها الدول الديمقراطية في أوروبا منذ زمن بعيد.

كان المؤشر حاسما في قضية حظيت بنقاشات واسعة منذ بدء حركات التحرر الوطني في العالم العربي، ورغم الانكسارات، والهزائم، وشيوع الانقسام، فإن المواطنين والمواطنات يؤمنون وبشكل حاسم أن شعوب المنطقة يُشكلون أمة واحدة، ويصوت 80 بالمئة على وحدة بلاد العرب، وتجليات هذه الحالة ليست سياسية فقط، ففي المونديال الذي احتضته قطر ظهر الموقف العربي المتضامن مع فلسطين، والمساند لقطر التي تعرضت لحملات تشهير، وكان المشجعون يقفون إلى صف المنتخبات العربية يُساندونها بعيدا عن مواقف الأنظمة الرسمية.

الحقيقة التي يُظهرها المؤشر أن المجتمعات العربية تعرف بوصلتها مهما كان التشويش عليها، ومُلخص القول إنه يريد أن يعيش حياة كريمة، وديمقراطية تصون حقوقه، ووطن لا تٌقسّمه الحدود فيُعلي من أحلامه، ومجتمع لا تحكمه التابوهات، ولا يقتله الفقر والبطالة، أما أعداءهم فهم يعرفونهم مهما اختبئوا اختبأوا، ولا أحد يستطيع أن يُضللهم.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.