حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة. أرشيف
حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة. أرشيف

أن يشير قرار العقوبات الأميركية بحق اللبناني، حسن مقلد، إلى أن الرجل أخذ ترخيصاً للعمل كصراف من قبل حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، وتولى بعدها جمع دولارات أميركية من الأسواق اللبنانية لمصلحة حزب الله، فوراء هذه الإشارة ما يتعدى العقوبات المفروضة على مقلد وعلى نجليه. إنه شبه إعلان أميركي عن أن الغطاء عن سلامة قد رفع، وأن ثمة من اقتنع في الإدارة الأميركية أن سلامة جزء من ماكينة المنظومة التي يتصدرها حزب الله.

والأميركيون وإن ما زالوا يؤكدون بأن العقوبات لن تطال سلامة نفسه، نظراً لما تشكله هذه العقوبات من مخاطر على النظام المصرفي اللبناني بمجمله، إلا أنهم أشهروا في وجه سلامة معلومات لديهم عن علاقة مالية بينه وبين حزب الله، ومن دون شك سيترتب على هذا الكشف تبعات، وهي تبعات ستقتصر على بعدها غير اللبناني، وسينضم سلامة عاجلاً أم آجلاً إلى نخبة المعاقبين دولياً. أما لبنانياً، فعلينا أن نستعيد حقيقة أن لبنان تحول ملجأ للخارجين عن القوانين الدولية بدءاً من، كارلوس غصن، ومروراً، بجورج لطفي، ووصولاً إلى، رياض سلامة.

اللبنانيون عاينوا من استفاد في الفترة الأخيرة من ظاهرة الفارق بسعر الدولار بين السوق السوداء وسعر "صيرفة"، ذاك أن المضاربة بالدولار بفعل هذا الفارق بلغت مستويات مذهلة. رياض سلامة، أدار هذه اللعبة من مكتبه. صرافون ومصرفيون حولوا مئات مليارات بالعملة اللبنانية إلى حساباتهم واشتروا فيها دولار صيرفة ثم عادوا وباعوها في السوق السوداء وحققوا أرباحاً خيالية على حساب المودعين مرة أخرى. إنها هدية، رياض سلامة، لمحبيه من أهل المنظومة الحاكمة.

هذا الرجل لا يتعظ، قصة "منصة صيرفة" التي ابتدعها تتولى تمويل قوى النظام، وعلى رأسها نظام الصيرفة الموازي الذي يضخ السيولة في موازنة حزب الله، وأيضاً في خزائن المصارف المقربة، والحاكم يدفع فارق السعر من احتياطي نقدي هو ما تبقى من ودائع اللبنانيين!

ورياض سلامة لا يشعر اليوم أنه في العراء رغم قرار العقوبات الأميركي الذي استهدف مقرباً منه، ورغم حسم القضاة والمحققين الأوروبيين شبهة تبييض الأموال التي جاءوا إلى بيروت للتحقيق فيها. ليس في العراء لأن المنظومة الحاكمة في لبنان تقف وراءه. رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، يعد خطة لسحب التحقيق من أيدي القضاة الأوروبيين، وحزب الله عبر إعلامه شرع بالتشكيك بنوايا المحققين الأوروبيين، ووراء الحاكم جوقة إعلامية عمادها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة في لبنان. لقد فُتحت تحقيقات قضائية تطال سلامة في خمس دول أوروبية ولم يحرك القضاء اللبناني ساكناً، ومؤخراً لاح مخرج من هذا المأزق يتمثل في أن كف يد القضاء الأوروبي يقتضي وضع القضاء اللبناني يده على الملف. وتولي الأخير المهمة يعني أن لا محاسبة ولا جريمة، وأن الإفلاس هو قضاء وقدر، على نحو ما اعتبر أمين عام حزب الله جريمة تفجير المرفأ قضاء وقدراً.

إسقاط، رياض سلامة، يقتضي إسقاط المنظومة، وهذه المهمة تبدو عصية في ظل وقوف حزب الله بالمرصاد في وجه أي محاولة للتغيير أو للإصلاح. إنه نظامه، بدءاً من، رياض سلامة، والمصارف ومروراً، بنجيب ميقاتي، ووصولاً إلى، جبران باسيل. كل الحقائق يجب أن تحجب في ظل هذا "الستاتيكو" الكابوسي. علينا مواصلة السقوط، وكلما بلغنا لحظة الارتطام يتولى، رياض سلامة، تعميق الهوة، عبر "منصة صيرفة" تارة وعبر ضخ الدولارات في الأسواق تارة أخرى، فيمد بذلك جمهورية حزب الله بمزيد من الأوكسيجين، ويغرق اللبنانيون بمزيد من العتمة والإفلاس.

لكن هل يستقيم هذا الدوران في حفلة النهب والإفلاس هذه؟ وإلى متى؟ من الواضح أن المنظومة اللبنانية الحاكمة وجدت سبيلاً لتفادي الارتطام عبر المزيد من الانغماس في موبقاتها. قيمة الدولار تخطت الستين ألف ليرة لبنانية. إذاً فليواصل الدولار ارتفاعه، على نحو يعجز فيه اللبنانيون عن تقدير حجم الكارثة. وليفرج عن المتهمين بانفجار المرفأ، لكي تبلغ المواجهة مع أهل الضحايا حداً يمكن معه ضبط غضبهم عند حدود الحرب الأهلية. أما، رياض سلامة، وصحبه من شخصيات الانهيار فلا بأس من شتمهم ولكن ممنوع على اللبنانيين الاقتراب من مواقعه!

قد يتيح الظرف الدولي الراهن عدم سقوط المنظومة الحاكمة، لكن هذا الاختلال في العدالة لن يدوم، فأنظمة على هذا القدر من السوء ومن الفساد لطالما سقطت مخلفة وراءها خراباً ما زالت مجتمعاتها تتخبط به حتى الآن. النظام المذهبي الذي يؤمن حماية لهذه الطبقة الحاكمة سيسقط على رؤوسها، لكن للأسف على رؤوسنا أيضاً.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.